Bakara Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Necmüddin Dâye — et-Te'vîlâtü'n-Necmiyye

نجم الدين الرازي / السمناني

{ الۤـمۤ } * { ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } * { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } * { وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } { الۤـمۤ } [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله:

يحمل أن يكون { الۤـمۤ } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار:

" أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: { كۤهيعۤصۤ } [مريم: 1]، فلما قال: { كۤ } [مريم: 1]، قال: النبي علمت، فقال: { هـ } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ي } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { عۤ } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { صۤ } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال جبريل عليه السلام: كيف علمت ما لم أعلم ".

وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف والكلمات؛ لأن الكافر غير متناهٍ، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن الصبيان يعلمون أولاً الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاماً وسوراً، فيفقهون منها المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور المعدودة أن كلام الله انقطع ومعانيه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة مقطعة بالقرآن مثل { الۤـمۤ } و { الۤر } وغيرها.

وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل { صۤ } و { قۤ } و { نۤ } ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضاً إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف المحدثة جمعاً.

والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى:

{ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً

} [الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية إنما جعلت كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى:

[الشورى: 7].

قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق { الۤـمۤ } أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى:

{ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ

} [الأعراف: 143].

وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:

{ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ

} [النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم:

" الصلاة معراج المؤمن "

فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاته غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال:

" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل "

إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى:

{ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ

} [البقرة: 238].

والركوع لقوله تعالى:

{ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

} [البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى:

{ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب

} [العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: { ٱهْدِنَا } فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: { الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ } [البقرة: 1-2]، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب { لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى } [البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله { ٱهْدِنَا } لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ } [البقرة: 2-3].

وفي: { ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ } إشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينة { الۤـمۤ } الألف واللام حرفان مقدمان من قوله

{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ

} [الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: { بِرَبِّكُمْ } معناه في عهد:

{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ

} [الأعراف: 172]، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى:

{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ

}

[يس: 60-61]، أي: هادياً إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } [البقرة: 3]، أي: يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام عن الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ

} [المائدة: 100].

والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع…

Tefsir yükleniyor…