İbrahim Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Seyyid Kutub — Fî Zilâli'l-Kur'ân

سيد قطب

──────────────────────────────────────────────────

فلنأخذ في السير مع المقطع الأول في السياق : ( ألر . كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد . الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، وويل للكافرين من عذاب شديد . الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ، أولئك في ضلال بعيد . وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، فيضل الله من يشاء ، ويهدي من يشاء ، وهو العزيز الحكيم ) . . ألف لام . را . . ( كتاب أنزلناه إليك ) . . هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف كتاب أنزلناه إليك . لم تنشئه أنت . أنزلناه إليك لغاية : ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) . . لتخرج هذه البشرية من الظلمات . ظلمات الوهم والخرافة . وظلمات الأوضاع والتقاليد . وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة ، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين . . لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور . النور الذي يكشف هذه الظلمات . يكشفها في عالم الضمير وفي دنيا التفكير . ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد . والإيمان بالله نور يشرق في القلب ، فيشرق به هذا الكيان البشري ، المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة روح الله . فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة ، وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة . طينة من لحم ودم كالبهيمة ، فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها . لولا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله ، يرقرقها الإيمان ويجلوها ، ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم ، ويشف بها هذا الكيان المعتم . والإيمان بالله نور تشرق به النفس ، فترى الطريق . ترى الطريق واضحة إلى الله ، لا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب . غبش الأوهام وضباب الخرافات . أو غبش الشهوات وضباب الأطماع . ومتى رأت الطريق سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار . والإيمان بالله نور تشرق به الحياة . فإذا الناس كلهم عباد متساوون . تربط بينهم آصرتهم في الله وتتمحض دينونتهم له دون سواه ، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة . وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة . معرفة الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن فيه . فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه . والإيمان بالله نور . نور العدل . ونور الحرية . ونور المعرفة . ونور الأنس بجوار الله ، والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السراء والضراء . ذلك الاطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء . والإيمان بالله وحده إلها وربا ، منهج حياة كامل لا مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور . . منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده ، والدينونة لربوبيته وحده ، والتخلص من ربوبيات العبيد ، والاستعلاء على حاكمية العبيد . . وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشرية ، ومع الحاجات الحقيقية لهذه الفطرة ، ما يملأ الحياة سعادة ونور وطمأنينة وراحة . كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصما من التقلبات والتخبطات التي تتعرض لها المجتمعات التي تخضع لربوبية العبيد ، وحاكمية العبيد ، ومناهج العبيد في السياسة والحكم وفي الاقتصاد والاجتماع ، وفي الخلق والسلوك ، وفي العادات والتقاليد . . وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشرية أن تبذل في تأليه العبيد ، والطبل والزمر للطواغيت ! ! ! وإن وراء هذا التعبير القصير : ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . . )لآفاقا بعيدة لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب . وفي عالم الحياة والواقع ، لا يبلغها التعبير البشري ولكنه يشير ! ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . . بإذن ربهم ) . . فليس في قدرة الرسول إلا البلاغ ، وليس من وظيفته إلا البيان . أما إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، فإنما يتحقق بإذن الله ، وفق سنته التي ارتضتها مشيئته ، وما الرسول إلا رسول ! ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ) . . ( إلى صراط العزيز الحميد ) . . فالصراط بدل من النور . وصراط الله : طريقه ، وسنته ، وناموسه الذي يحكم الوجود وشريعته التي تحكم الحياة . والنور يهدي إلى هذا الصراط ، أو النور هو الصراط . وهو أقوى في المعنى . فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون . هو السنة . هو الناموس . هو الشريعة . والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطيء الإدراك ولا تخطيء التصور ولا تخطيء السلوك . فهي على صراط مستقيم . . ( صراط العزيز الحميد ) . . مالك القوة القاهر المسيطر المحمود المشكور . والقوة تبرز هنا لتهديد من يكفرون ، والحمد يبرز لتذكير من يشكرون . /خ27

══════════════════════════════════════════════════════════════════════

Tefsir yükleniyor…