Nisa Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Seyyid Kutub — Fî Zilâli'l-Kur'ân

سيد قطب

──────────────────────────────────────────────────

/م1 ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء . واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيبا ) . . إنه الخطاب " للناس " . . بصفتهم هذه ، لردهم جميعا إلى ربهم الذي خلقهم . . والذي خلقهم ( من نفس واحدة ) . . ( وخلق منها زوجها . وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) . . إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جدا ، وعميقة جدا ، وثقيلة جدا . . ولو القى " الناس " أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم وبنقلهم من الجاهلية - أو من الجاهليات المختلفة - إلى الإيمان والرشد والهدى ، وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة " بالناس " و " بالنفس " واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو الله . . إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالا فسيحا لتأملات شتى : 1- إنها أبتداء تذكر " الناس " بمصدرهم الذي صدروا عنه ؛ وتردهم إلى خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض . . هذه الحقيقة التي ينساها " الناس " فينسون كل شيء ! ولا يستقيم لهم بعدها أمر ! إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه . . فمن الذي جاء بهم ؟ أنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم . فقد كانوا - قبل أن يجيئوا - عدما لا إرادة له . . لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء . فإرادة أخرى - إذن - غير إرادتهم ، هي التي جاءت بهم إلى هنا . . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي قررت أن تخلقهم . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي رسمت لهم الطريق ، وهي التي اختارت لهم خط الحياة . . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي منحتهم وجودهم ومنحتهم خصائص وجودهم ، ومنحتهم استعداداتهم ومواهبهم ، ومنحتهم القدرة على التعامل مع هذا الكون الذي جيء بهم إليه من حيث لا يشعرون ! وعلى غير استعداد ، إلا الاستعداد الذي منحتهم إياه تلك الإرادة التي تفعل ما تريد . ولو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها لثابوا إلى الرشد من أول الطريق . . إن هذه الإرادة التي جاءت بهم إلى هذا العالم ، وخطت لهم طريق الحياة فيه ، ومنحتهم القدرة على التعامل معه ، لهي وحدها التي تملك لهم كل شيء ، وهي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء ، وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير . وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم منبع حياتهم ، وأن تشرع لهم أنظمتهم وقوانينهم ، وأن تضع لهم قيمهم وموازينهم . وهي وحدها التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون ، فيرجعون إلى النهج الواحد الذي إراده الله رب العالمين . 2- كما أنها توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة ، تتصل في رحم واحدة ، وتلتقي في وشيجة واحدة ، وتنبثق من أصل واحد ، وتنتسب إلى نسب واحد : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) . . ولو تذكر الناس هذه الحقيقة ، لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة ، التي نشأت في حياتهم متأخرة ، ففرقت بين أبناء " النفس " الواحدة ، ومزقت وشائح الرحم الواحدة . وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية ، وصلة النفس وحقها في المودة ، وصلة الربوبية وحقها في التقوى . واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا باستبعاد الصراع العنصري ، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت ، وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة ؛ في الجاهلية الحديثة ، التي تفرق بين الألوان ، وتفرق بين العناصر ، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة ، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم ، وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة . واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا كذلك باستبعاد الاستبعاد الطبقي السائد في وثنية الهند والصراع الطبقي ، الذي تسيل فيه الدماء أنهارا ، في الدول الشيوعية ، والذي ما تزال الجاهلية الحديثة تعتبره قاعدة فلسفتها المذهبية ، ونقطة انطلاقها إلى تحطيم الطبقات كلها ، لتسويد طبقة واحدة ، ناسية النفس الواحدة التي انبثق منها الجميع ، والربوبية الواحدة التي يرجع إليها الجميع ! 3- والحقيقة الأخرى التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة ( خلق منها زوجها ) . . كانت كفيلة - لو أدركتها البشرية - أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة ، التي تردت فيها ، وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة ، وتراها منبع الرجس والنجاسة ، وأصل الشر والبلاء . . وهي من النفس الأولى فطرة وطبعا ، خلقها الله لتكون لها زوجا ، وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، فلا فارق في الأصل والفطرة ، إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة . . ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلا . جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها . فترة من الزمان . تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له . فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى ، وأطلقت للمرأة العنان ، ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان ، ونفس خلقت لنفس ، وشطر مكمل لشطر ، وأنهما ليسا فردين متماثلين ، إنما هما زوجان متكاملان . والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد . . 4- كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة . فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة . فخلق ابتداء نفسا واحدة ، وخلق منها زوجها . فكانت أسرة من زوجين . ( وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) . . ولو شاء الله لخلق - في أول النشأة - رجالا كثيرا ونساء ، وزوجهم ، فكانوا أسرا شتى من أول الطريق . لا رحم بينها من مبدأ الأمر . ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد . وهي الوشيجة الأولى . ولكنه - سبحانه - شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها ، أن يضاعف الوشائج . فيبدأبها من وشيجة الربوبية - وهي أصل وأول الوشائج - ثم يثني بوشيجة الرحم ، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى - هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة وفطرة واحدة - ومن هذه الأسرة الأولى يبث رجالا كثيرا ونساء ، كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الربوبية ، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة . التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني . بعد قيامه على أساس العقيدة . ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإسلامي ، وهذه العناية بتوثيق عراها ، وتثبيت بنيانها ، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء - وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة ، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض ، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى . وفي هذه السورة وفي غيرها من السور حشد من مظاهر تلك العناية بالأسرة في النظام الإسلامي . . وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي ، والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة ، وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية - كل جاهلية - ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة ورفع هذه النظرة الهابطة . 5- وأخيرا فإن نظرة إلى التنوع في خصائص الأفراد واستعداداتهم - بعد بثهم من نفس واحدة وأسرة واحدة - على هذا المدى الواسع ، الذي لا يتماثل فيه فردان قط تمام التماثل ، على توالي العصور ، وفيما لا يحصى عدده من الأفراد في جميع الأجيال . . التنوع في الأشكال والسمات والملامح . والتنوع في الطباع والأمزجة…

Tefsir yükleniyor…