Maide Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Seyyid Kutub — Fî Zilâli'l-Kur'ân

سيد قطب

──────────────────────────────────────────────────

( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) . . إنه لا بد من ضوابط للحياة . . حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه ؛ وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة . . الناس من الأقربين والأبعدين ، من الأ الأهل والعشيرة ، ومن الجماعة والأمة ؛ ومن الأصدقاء والأعداء . . والأحياء مما سخر الله للإنسان ومما لم يسخر . . والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض . . ثم . . حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة . والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس . يقيمها ويحددها بدقة ووضوح ؛ ويربطها كلها بالله سبحانه ؛ ويكفل لها الاحترام الواجب ، فلا تنتهك ، ولا يستهزأ بها ؛ ولا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة ؛ ولا للمصالح العارضة التي يراها فرد ، أو تراها مجموعة أو تراها أمة ، أو يراها جيل من الناس فيحطمون في سبيلها تلك الضوابط . . فهذه الضوابط التي أقامها الله وحددها هي " المصلحة " ما دام أن الله هو الذي أقامها للناس . . هي المصلحة ولو رأى فرد ، أو رأت مجموعة أو رأت أمة من الناس أو جيل أن المصلحة غيرها ! فالله يعلم والناس لا يعلمون ! وما يقرره الله خير لهم مما يقررون ! وأدنى مراتب الأدب مع الله - سبحانه - أن يتهم الإنسان تقديره الذاتي للمصلحة أمام تقدير الله . أما حقيقة الأدب فهي ألا يكون له تقدير إلا ما قدر الله . وألا يكون له مع تقدير الله ، إلا الطاعة والقبول والاستسلام ، مع الرضى والثقة والاطمئنان . . هذه الضوابط يسميها الله " العقود " . . ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود . . وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود ، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح . وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية . وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة . وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية . وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل . وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها ، والحكم فيها بما أنزل الله كله ؛ والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله ؛ والحذر من عدم العدل تأثراً بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن . . افتتاح السورة على هذا النحو ، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة " العقود " معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة . ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله . . وفي أولها عقد الإيمان بالله ؛ ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه ، ومقتضى العبودية لألوهيته . . هذا العقد الذي تنبثق منه ، وتقوم عليه سائر العقود ؛ وسائر الضوابط في الحياة . وعقد الإيمان بالله ؛ والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ؛ ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة ، والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق . . هذا العقد أخذه الله ابتداء على آدم - عليه السلام - وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض ، بشرط وعقد هذا نصه القرآني : قلنا : اهبطوا منها جميعا . فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . . فهي خلافة مشروطة باتباع هدى الله الذي ينزله في كتبه على رسله ؛ وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك . المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل الله ، باطلا بطلانا أصليا ، غير قابل للتصحيح المستأنف ! وتحتم على كل مؤمن بالله ، يريد الوفاء بعقد الله ، أن يرد هذا الباطل ، ولا يعترف به ؛ ولا يقبل التعامل على أساسه . وإلا فما أوفى بعقد الله . ولقد تكرر هذا العقد - أو هذا العهد - مع ذرية آدم . وهم بعد في ظهور آبائهم . كما ورد في السورة الأخرى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ! أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم . أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟ ) فهذا عقد آخر مع كل فرد ؛ عقد يقرر الله - سبحانه - أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم . . وليس لنا أن نسأل : كيف ؟ لأن الله أعلم بخلقة ؛ وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم . بما يلزمهم الحجة . وهو يقول : إنه أخذ عليهم هذا العهد ، على ربوبيته لهم . . فلا بد أن ذلك كان ، كما قال الله سبحانه . . فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء ! ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل - كما سيجيء في السورة - يوم نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم . . وسنعلم - من السياق - كيف لم يفوا بالميثاق ؛ وكيف نالهم من الله ما ينال كل من ينقض الميثاق . والذين آمنوا بمحمد [ ص ] قد تعاقدوا مع الله - على يديه - تعاقدا عاما على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا ، وألا تنازع الأمر أهله " . وبعضهم وقعت له بعد ذلك عقود خاصة قائمة على ذلك التعاقد العام . . ففي بيعة العقبة الثانية التي ترتبت عليها هجرة الرسول [ ص ] من مكة إلى المدينة ، كان هناك عقد مع نقباء الأنصار . . وفي الحديبية كان هناك عقد الشجرة وهو " بيعة الرضوان " . وعلى عقد الإيمان بالله ، والعبودية لله ، تقوم سائر العقود . . سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله ، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله - فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا ، بصفتهم هذه ، أن يوفوا بها . إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء ، مستحثة لهم كذلك على الوفاء . . ومن ثم كان هذا النداء : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) . . ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . . أحلت لكم بهيمة الأنعام - إلا ما يتلى عليكم - غير محلي الصيد وأنتم حرم . إن الله يحكم ما يريد . . يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ، ولا الشهر الحرام ، ولا الهدي ، ولا القلائد ، ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . وإذا حللتم فاصطادوا ، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى . ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله . إن الله شديد العقاب . حرمت عليكم الميتة ، والدم ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، والمنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، وما أكل السبع - إلا ما ذكيتم - وما ذبح على النصب ، وأن تستقسموا بالأزلام . ذلكم فسق . . اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ، فلا تخشوهم واخشون . . اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا . . فمن اضطر في مخمصة - غير متجانف لإثم - فإن الله غفور رحيم ) إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح ، وفي الأنواع ، وفي الأماكن ، وفي الأوقات . . إن هذا كله من " العقود " . . وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء . فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده ؛ ولا يتلقوا في هذا شيئا من غيره . . ومن ثم نودوا هذا النداء ، في مطلع هذا البيان . . وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام - إلا…

Tefsir yükleniyor…