Hicr Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Ebû Hayyân — en-Nehru'l-Mâd

أبو حيان الأندلسي

﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ \ الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ هذه السورة مكية بلا خلاف مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر في آخر السورة قبلها أشياء من أحوال القيامة من تبديل السماوات والأرض وأحوال الكفار في ذلك اليوم وان ما أتى به على حسب التبليغ والإِنذار ابتدأ في هذه السورة بذكر القرآن الذي هو بلاغ للناس وأحوال الكفر وودادتهم. ﴿لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ وتلك إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب والقرآن المبين السورة وتنكير القرآن للتفخيم والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً وأي قرآن مبين كأنه قيل الكتاب الجامع للكامل والغرابة في البيان والظاهر ان ما في ربما مهيئة وذلك انها من حيث هي حرف جر على خلاف فيه لا يليها إلا الأسماء فجيء بما مهيئة لمجيء الفعل بعدها وفي رب لغات وأحكام ذكرت في النحو وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجيء في القرآن إلا في هذا الموضع وقد اختلفوا تفيد التقليل أم التكثير والذي يظهر ان ذلك يفهم من سياق الكلام لا من وضعها ومثال هذا التركيب القرآني قول الشاعر:

| *ربما تكره النفوس من الأمر* | | *له فرجة كحل العقل* |

وما مهيئة لمجيء الفعل بعدها ودعوى أنها نكرة موصوفة بعيد كتأويل من قال: رب شىء توده وحذف الضمير العائد على شىء وأكثر ما يأتي الفعل بعدها ماضياً كقول الشاعر:

| *ربما أوفيت في علم* | | *ترفض ثوبي شمالات وقد جاء مستقبلا ً |

فقال سليم القشيري:

| *ومعتصم بالحي من خشية الردى* | | *سيردي وغاز مشفق سيؤوب* |

فيود مستقبل لا يحتاج إلى تأويله بمعنى ود وكثرة مجيء لو بعدود ينسبك منها مصدر تقديره ان لو كانوا مسلمين أي كونهم مسلمين ومن لم يثبت أو لو حرف مصدري يتأول مفعولاً محذوفاً لود وجواباً للو فيقدر يود الذين كفروا الإِسلام لو كانوا مسلمين لينجوا بذلك. ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ﴾ أمر تهديد لهم ووعيد أي ليسوا ممن يرعوي عما هو فيه من الكفر والتكذيب ولا ممن تنفعه النصيحة والتذكير فهم إنما حظهم حظ البهائم من الأكل والتمتع بالحياة الدنيا والأمل في تحصيلها هو الذي يلهيهم ويشغلهم عن الإِيمان بالله تعالى وبرسوله وفي قوله: يأكلوا ويتمتعوا إشارة إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للموت والتأهب له ليس من أخلاق من يطلب النجاة من عذاب الله تعالى. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد ووعيد أي فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وما يؤولون إليه في الدنيا من الذل والقتل والسبي وفي الآخرة من العذاب السرمدي ولما توعدهم بما يحل بهم أردف ذلك بما يشعر بهلاكهم وأنه لا يستبطأ فإِن له أجلاً لا يتعدّاه والمعنى من أهل قرية كافرين والظاهر أن المراد بالهلاك هلاك الاستئصال لمكذبي الرسل وهو أبلغ في الزجر ومن قرية مفعول أهلكنا ومن لاستغراق الجنس.

| | | | | |

| | 1 | 2 | 3 | 4 | |

﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ جملة حالية ومن زائدة تفيد استغراق الجنس أي: ما تسبق أمة وأنث أجلها على لفظ أمة وجمع وذكر في وما يستأخرون حملاً على المعنى وحذف عنه لدلالة الكلام عليه. قال الزمخشري: الجملة واقعة صفة لقرية والقياس ان لا تتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى:﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال جاءني زيد عليه ثوب وجاءني زيد وعليه ثوب " انتهى ". ووافقه على ذلك أبو البقاء فقال: الجملة نعت لقرية كقولك: ما لقيت رجلاً إلا عالماً قال: وقد ذكرنا حال الواو في مثل هذا في البقرة في قوله:﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وهذا الذي قاله الزمخشري وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحداً قاله من النحويين، وهو مبني على أن ما بعد لا يجوز أن يكون صفة وقد منعوا ذلك. قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف بالاثم، قال: ونحو ما جاءني رجل إلا راكب تقديره إلا رجل راكب وفيه قبح لجعل الصفة كالاسم. وقال أبو علي الفارسي: تقول ما مررت بأحد إلا قائماً فكأنما حال من أحد ولا يجوز إلا قائم لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف. وقال ابن مالك: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشري من قوله في نحو ما مررت بأحد إلا زيد خير منه ان الجملة بعد إلا صفة لأحد لأنه مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي فلا يلتفت إليه وأبطل ابن مالك قول الزمخشري أن الواو توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالمؤمنون. ﴿وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ﴾ الآية، قال مقاتل نزلت في عبد الله بن أمية والنضر بن الحرث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة وهذا الوصف بأنه نزل عليه الذكر قالوه على جهة الاستهزاء والاستخفاف لأنهم لا يقرون بتنزيل الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون وهذا كقول فرعون ان رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون إذ لو كان مؤمناً برسالة موسى عليه السلام ما أخبر عنه بالجنون ثم اقترحوا عليه أن يأتيهم بالملائكة شاهدين بصدقك وبصحة دعواك وإنذارك كما قال:﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: 7]، أو معاقبين على تكذيبك كما كانت باقي الأمم المكذبة. ولو ما حرف تحضيض بمعنى هلا، وقرىء: ما تنزل بشد التاء أصله تتنزل بشد التاء أصله تتنزل فأدغم التاء في التاء. ﴿إِلاَّ بِٱلحَقِّ﴾ الظاهر أن معناها كما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي أرادها الله تعالى لعباده لا على اقتراح كافر ولا باختيار معترض ثم ذكر عادة الله تعالى في الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقتراح إلا ومعها العذاب في أثرها إذ لم يؤمنوا فكان الكلام ما ننزل الملائكة إلا بحق لا باقتراحكم وأيضاً فلو نزلت لم تنظر وأبعد ذلك بالعذاب أي تؤخروا المعنى وهذا لا يكون إذ كان في علم الله ان منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن.

| | | | | |

| | 1 | 2 | 3 | 4 | |

﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي حافظون له من الشياطين وفي كل وقت تكفل تعالى بحفظه فلا تعتريه زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل بخلاف غيره من الكتب المتقدمة فإِنه تعالى لم يتكفل بحفظها بل قال تعالى: (ان الربانيين والأحبار استحفظوها) ولذلك وقع فيها الاختلاف وحفظه إياه دليل على أنه من عنده تعالى إذ لو كان من قول البشر لتطرق إليه ما تطرق لكلام البشر. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ﴾ لما ذكر تعالى استهزاء الكفار به ونسبته إلى الجنون واقتراح نزول الملائكة سلاه الله تعالى بأن ما أرسل من قبلك كان ديدين هؤلاء معك وتقدم تفسير الشيع في أواخر الانعام ومفعول أرسلنا محذوف أي أرسلنا من قبلك رسلاً. قال الزمخشري: وما يأتيهم حكاية حال ماضية لأن ما لا تدخل على مضارع إلا وهو في موضع الحال " انتهى ". هذا الذي ذكره هو قول الأكثرين أن ما تخلص المضارع للحال وتعنيه وذهب غيره إلى أن ما يكثر دخولها على المضارع مراداً به الحال وتدخل عليه مراداً به الاستقبال وأنشد شاهداً على ذلك قول أبي ذئيب:

| " أودي بني وأودعوني حسرة* | | *عند الرقاد وغيره ما تقلع " |

وقال الأعشى يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

| " له نافلات ما يغب نوالها* | | *وليس عطاء اليوم مانعه غدا " |

وقال تعالى:﴿مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ﴾ [يونس: 15]. ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ…

Tefsir yükleniyor…