İsra Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Emîr Abdülazîz — eş-Şâmil
أمير عبد العزيز
بسم الله الرحمان الرحيم ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنيره من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ ( سبحان ) ، اسم علم للتسبيح . سبحت الله تسبيحا وسبحانا ؛ فالتسبيح هو المصدر . و ( سبحان ) اسم علم للتسبيح . وسبحان الله ، معناه تنزيه الله تعالى من كل سوء{[2635]} . قوله : ( أسرى بعبده ليلا ) سرى وأسرى ، من الإسراء وهو السير ليلا . والمراد بعبده محمد ( ص ) ؛ فقد أسرى الله به ليلا ، بلفظ التنكير ، لقلة المدة التي وقع فيها الحدث القدسي الهائل ؛ إذ أسرى الله برسوله الكريم ( ص ) في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، في عرف السابقين من ذلك الزمان وكان ذلك قبل الهجرة بعدة أعوام . وسمي بالأقصى لبعد المسافة بين المسجدين ؛ ولأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد . وهل وقع الإسراء بالروح وحده ، أو بالروح والجسد معا ؟ فقد ذهب معظم العلماء من السلف والخلف من المسلمين إلى أن النبي ( ص ) قد أسري بروحه وجسده معا ، وأنه ركب البراق بمكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ، ثم عرج بجسده من ثم إلى السموات . ويدل على ذلك : أن الحدث في ذاته معجزة هائلة . وهي دليل الوقوع بالروح والجسد مجتمعين . ولو كان الإسراء بالروح دون الجسد كالرؤيا في المنام لما كان في ذلك آية ولا معجزة ولما كان مدعاة للدهش والعجب ، ولا معنى للبدء بتنزيه الله نفسه بقوله : ( سبحان ) لا جرم أن البداية بهذا التعبير يكشف عن خبر مذهل وجلل قد تحقق في عملية الإسراء . ولا يكون ذلك بمجرد الروح . وهو أمر غير عجيب ولا مثير ؛ بل إن ما حصل كان معجزة ضخمة لا تعني غير الإسراء بالروح والجسد مجتمعين . ويعزز ذلك ويؤيده ما ورد في هذه المسألة من أخبار كثيرة ، منها ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : " لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت{[2636]} وعرفت أن الناس مكذبي ، فقعدت معتزلا حزينا فمرّ به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ : هل كان من شيء ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " نعم " قال : وما هو ؟ قال : " إني أسري بي الليلة " قال إلى أين ؟ قال : " إلى بيت المقدس " قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : " نعم " فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه . فقال : أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " نعم " فقال : يا معشر بني كعب بن لؤي . قال : فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما . قال : حدث قومك بما حدثني . قال رسول الله ( ص ) : " إني أسري بي الليلة " فقالوا : إلى أين ؟ قال : " إلى بيت المقدس " قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ . قال : " نعم " قال : فمن بين مصفق ، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا . قالوا : ونستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ - وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد- فقال رسول الله ( ص ) : " فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه " فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب فيه . ويستفاد من شدة تكذيب القوم واستنكارهم أن هذا الحدث العظيم ما كان ليحصل إلا بالروح والجسد ؛ فإنه ما كان لمثل هذا الدهش الذي طغى على المشركين ليكون لو أن حدث الإسراء حصل بالروح دون الجسد ؛ فرؤيا المنام لا مدعاة فيها لعجب أو إثارة ؛ لكن القوم قد أخذهم الذهول أخذا لإدراكهم أن المراد من الإسراء هو تحققه بالروح والجسد معا . قوله : ( الذي باركنا حوله ) والمراد بركات الدين والدنيا . أما الدين : فبيت المقدس متعبد الأنبياء ومهبط الوحي ، وقد دفن حوله من الأنبياء والصالحين كثيرون . أما الدنيا : فقد جعل الله البركة لساكنيه في معايشهم وأرزاقهم وحروثهم وثمراتهم . قوله : ( لنريه من آياتنا ) لقد أراه الله في طريقه إلى بيت المقدس وبعد مصيره إليه وصعوده في السماوات من العجائب والمشاهد والعبر ما لا يطيق رؤيته غير أولي العزم من النبيين كرسول الله ( ص ) . لقد أراه الله البيت المعمور وسدرة المنتهى ، ولقي في صعوده بعض النبيين المرسلين وبعض الملائكة العظام . قوله : ( إنه هو السميع البصير ) الله سميع لما يقوله المشركون والمرتابون والمكذبون من تخريص عن الإسراء . وهو كذلك بصير بأعمالهم وما " يجنونه من منكرات الأفعال كصدهم عن دين الإسلام وإثارتهم من حوله الشبهات والأباطيل .
══════════════════════════════════════════════════════════════════════