Fatiha Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

[فصل: اشْتِمالُ الفاتِحَةِ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ] اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ العالِيَةِ أتَمَّ اشْتِمالٍ، وتَضَمَّنَتْها أكْمَلَ تَضَمُّنٍ. فاشْتَمَلَتْ عَلى التَّعْرِيفِ بِالمَعْبُودِ تَبارَكَ وتَعالى بِثَلاثَةِ أسْماءٍ، مَرْجِعُ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلْيا إلَيْها، ومَدارُها عَلَيْها، وهِيَ: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، وبُنِيَتِ السُّورَةُ عَلى الإلَهِيَّةِ، والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ، فَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَبْنِيٌّ عَلى الإلَهِيَّةِ، ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] عَلى الرُّبُوبِيَّةِ، وطَلَبُ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، والحَمْدُ يَتَضَمَّنُ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، فَهو المَحْمُودُ في إلَهِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ، ورَحْمَتِهِ، والثَّناءُ والمَجْدُ كَمالانِ لِجَدِّهِ. وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ النُّبُوّاتِ مِن جِهاتٍ عَدِيدَةٍ: أحَدُها: كَوْنُهُ رَبَّ العالَمِينَ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ عِبادَهُ سُدًى هَمَلًا لا يُعَرِّفُهم ما يَنْفَعُهم في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ وما يَضُرُّهم فِيهِما، فَهَذا هَضْمٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ونِسْبَةُ الرَّبِّ تَعالى إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وما قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن نَسَبَهُ إلَيْهِ. الثّانِي: أخْذُها مِنَ اسْمِ اللَّهِ، وهو المَأْلُوهُ المَعْبُودُ، ولا سَبِيلَ لِلْعِبادِ إلى مَعْرِفَةِ عِبادَتِهِ إلّا مِن طَرِيقِ رُسُلِهِ. المَوْضِعُ الثّالِثُ: مِنِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ رَحْمَتَهُ تَمْنَعُ إهْمالَ عِبادِهِ، وعَدَمَ تَعْرِيفِهِمْ ما يَنالُونَ بِهِ غايَةَ كَمالِهِمْ، فَمَن أعْطى اسْمَ الرَّحْمَنِ حَقَّهُ عَرَفَ أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، أعْظَمَ مِن تَضَمُّنِهِ إنْزالَ الغَيْثِ، وإنْباتَ الكَلَأِ، وإخْراجَ الحَبِّ، فاقْتِضاءُ الرَّحْمَةِ لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ القُلُوبِ والأرْواحِ أعْظَمُ مِنِ اقْتِضائِها لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ الأبْدانِ والأشْباحِ، لَكِنِ المَحْجُوبُونَ إنَّما أدْرَكُوا مِن هَذا الِاسْمِ حَظَّ البَهائِمِ والدَّوابِّ، وأدْرَكَ مِنهُ أُولُو الألْبابِ أمْرًا وراءَ ذَلِكَ. المَوْضِعُ الرّابِعُ: مِن ذِكْرِ يَوْمِ الدِّينِ فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ. المَوْضِعُ الخامِسُ: مِن قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَإنَّ ما يُعْبَدُ بِهِ الرَّبُّ تَعالى لا يَكُونُ إلّا عَلى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وعِبادَتُهُ وهي شُكْرُهُ وحُبُّهُ وخَشْيَتُهُ فِطْرِيٌّ ومَعْقُولٌ لِلْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، لَكِنَّ طَرِيقَ التَّعَبُّدِ وما يُعْبَدُ بِهِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِرُسُلِهِ وبَيانِهِمْ، وفي هَذا بَيانُ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ، يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُ العالَمِ عَنْهُ، كَما يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُهُ عَنِ الصّانِعِ، فَمَن أنْكَرَ الرَّسُولَ فَقَدْ أنْكَرَ المُرْسِلَ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكُفْرَ بِرُسُلِهِ كُفْرًا بِهِ. [فصل] أول سورة في القرآن وهي الفاتحة، تدل على أن الأرواح مخلوقة من عدة أوجه: - أحدها قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ والأرواح من جملة العالم فهو ربها. - الثاني قوله تعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأرواح عابدة له مستعينة، ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودة مستعانا بها. - الثالث: أنها فقيرة إلى هواية فاطرها وربها، تسأله أن يهديها صراطه المستقيم. - الرابع: أنها منعم عليها مرحومة، ومغضوب عليها ضالة شقية، وهذا المربوب والمملوك لا شأن القديم غير المخلوق. [فَصْل: شَرائِطُ التَّوْبَةِ] وَلَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ هي رُجُوعُ العَبْدِ إلى اللَّهِ، ومُفارَقَتُهُ لِصِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِدايَةِ اللَّهِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولا تَحْصُلُ هِدايَتُهُ إلّا بِإعانَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَقَدِ انْتَظَمَتْها سُورَةُ الفاتِحَةِ أحْسَنَ انْتِظامٍ، وتَضَمَّنَتْها أبْلَغَ تَضَمُّنٍ، فَمَن أعْطى الفاتِحَةَ حَقَّها - عِلْمًا وشُهُودًا وحالًا مَعْرِفَةً - عَلِمَ أنَّهُ لا تَصِحُّ لَهُ قِراءَتُها عَلى العُبُودِيَّةِ إلّا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَإنَّ الهِدايَةَ التّامَّةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لا تَكُونُ مَعَ الجَهْلِ بِالذُّنُوبِ، ولا مَعَ الإصْرارِ عَلَيْها، فَإنَّ الأوَّلَ جَهْلٌ يُنافِي مَعْرِفَةَ الهُدى، والثّانِيَ غَيٌّ يُنافِي قَصْدَهُ وإرادَتَهُ، فَلِذَلِكَ لا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الذَّنْبِ، والِاعْتِرافِ بِهِ، وطَلَبِ التَّخَلُّصِ مِن سُوءِ عَواقِبِهِ أوَّلًا وآخِرًا. [فائِدَة للْإنْسان قوتان قُوَّة علمية نظرية وقُوَّة عملية إرادية] وسعادته التّامَّة مَوْقُوفَة على استكمال قوتيه العلمية الإرادية واستكمال القُوَّة العلمية إنَّما يكون بِمَعْرِفَة فاطره وبارئه ومَعْرِفَة أسْمائِهِ وصِفاته ومَعْرِفَة الطَّرِيق الَّتِي توصل إلَيْهِ ومَعْرِفَة آفاتها ومَعْرِفَة نَفسه ومَعْرِفَة عيوبها فبهذه المعارف الخَمْسَة يحصل كَمال قوته العلمية، وأعلم النّاس أعرفهم بها وأفقههم فِيها استكمال القُوَّة العلمية الإرادية لا تحصل إلّا بمراعاة حُقُوقه سُبْحانَهُ على العَبْد والقِيام بها إخلاصا وصدقا ونصحا وإحسانا ومتابعة وشهودا لمنّته عَلَيْهِ وتقصيره هو في أداء حقّه فَهو مستحي من مواجهته بِتِلْكَ الخدمَة لعلمه أنَّها دون ما يستحقّه عَلَيْهِ ودون دون ذَلِك وأنه لا سَبِيل لَهُ إلى استكمال هاتين القوتين إلّا بمعونته فَهو مُضْطَر إلى أن يهديه الصِّراط المُسْتَقيم الَّذِي هدى إلَيْهِ أولياءه وخاصّته وأن يجنّبه الخُرُوج عَن ذَلِك الصِّراط إمّا بِفساد في قوته العلمية فَيَقَع في الضلال واما في قوّته العملية فَيُوجب لَهُ الغَضَب. فكمال الإنْسان وسعادته لا تتمّ إلّا بِمَجْمُوع هَذِه الأُمُور وقد تضمنّتها سُورَة الفاتِحَة وانتظمتها أكمل انتظام فَإن قَوْله ﴿الحَمد لله رب العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يتضمّن الأصْل الأوّل وهو معرفَة الرب تَعالى ومَعْرِفَة أسْمائِهِ وصِفاته وأفعاله والأسماء المَذْكُورَة في هَذِه السُّورَة هي أصُول الأسْماء الحسنى وهِي اسْم الله والرب والرحمن فاسم الله متضمّن لصفات الألوهيّة واسم الرب…

Tefsir yükleniyor…