Muminun Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr
ابن قيم الجوزية
[فصل: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق] والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب للّه بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء فينكسر القلب للّه كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء وشهود نعم اللّه وجناياته هو فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح وأما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول أعوذ باللّه من خشوع النفاق، قيل له وما خشوع النفاق؟ قال أن يرى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع. فالخاشع للّه عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره فانجلى الصدر وأشرق فيه نور العظمة فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي خشي به وخمدت الجوارح وتوقر القلب واطمأن إلى اللّه وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتا له والمخبت المطمئن فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء، فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، علامته أن يسجد بين يدي ربه إجلالا له وذلا وانكسارا بين يديه سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه. وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره عربا فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليه الماء فهذا خشوع الإيمان. وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة. (فصل) قال تعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فأمرنا بإقامتها وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار وقد علق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعا. بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعا، وكلما قل خشوعة اشتدت عجلته حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا اقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية والله سبحانه قد قال: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾. وقال: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ﴾. وقال: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ وقال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾، وقال لموسى ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقرونا بإقامتها فالمصلون في الناس قليل ومقيم الصلاة منهم أقل القليل. كما قال عمر رضي الله عنه: "الحاج قليل والركب كثير" فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلة القسم، ويقولون يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم وليتنا نأتي به ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الله جل جلاله بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه فيزينه ويحسنه ما استطاع ثم يتقرب به إلى من يرجوه ويخافه كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه فيستريح منه ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع وليس من كانت الصلاة ربيعا لقلبه وحياة له وراحة وقرة لعينه وجلاء لحزنه وذهابا لهمه وغمه ومفزعا له إليه في نوائبه ونوازله كمن هي سحت لجوارحه، وتكليف له وثقل عليه فهي كبيرة على هذا وقرة عين وراحة لذلك. وقال تعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلو قلوبهم من محبة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوع له وقلة رغبتهم فيه فإن حضور العبد في الصلاة وخشوعه فيها وتكميله لها واستفراغه وسعة في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله تعالى. قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى: إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك. فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة وقف هذا بقلب مخبت خاشع له قريب منه سليم من معارضات السوء قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة وسطع فيه نور الإيمان وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم وتفرد الرب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله فاجتمع همه على الله وقرت عينه به وأحسن بقربه من الله قربا لا نظير له ففرغ قلبه له وأقبل عليه بكليته، وهذا الإقبال منه بين اقبالين من ربه فإنه سبحانه أقبل عليه أولا، فانجذب قلبه إليه بإقباله؛ فلما أقبل على ربه حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول. وها هنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعا من صلاته ومحلا منها فإنه إذا انتصب قائما بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيوميته، وإذا قال الله أكبر شاهد كبرياءه وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك شاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب سالما من كل نقص محمودا بكل حمد فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص تبارك اسمه، فلا يذكر على قليل إلا كثرة ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه ولا على آفة إلا أذهبها ولا على شيطان إلا رده خاسئا داحرا وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء فشأن المسمى أعلى وأجل. (وتعالى جده) أي ارتفعت عظمته وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن وقهر سلطانه على كل سلطان فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في الهيته أو في أفعاله أو في صفاته كما قال مؤمن الجن: ﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾، فكم في هذه الكلمات من تجل لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المعطل لحقائقها، وإذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويبعده عن قربه ليكون أسوأ حالا. "فإذا قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: "حمدني عبدي". فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، انتظر الجواب بقوله: "أثنى علي عبدي"، فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتظر جوابه: بـ "مجدني عبدي"، فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحا وسرورا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: "حمدني عبدني وأثنى علي عبدي ومجدني عبدي"، ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي: الله والرب الرحمن، فشاهد قلبه من ذكر اسم الله تبارك وتعالى إلها معبودا موجودا مخوفا لا يستحق العبادة غيره ولا تنبغي إلا له، قد عنت له الوجوه وخضعت له الموجودات وخشعت له الأصوات ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ…