Mümtehine Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

(فائِدَة) قَول النَّبِي لعمر "وَما يدْريك أن الله اطّلع على أهل بدر فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُم فقد غفرت لكم" أشكل على كثير من النّاس مَعْناهُ فَإن ظاهره إباحَة كل الأعْمال لَهُم وتخييرهم فِيما شاؤا مِنها وذَلِكَ مُمْتَنع فَقالَت طائِفَة مِنهُم ابْن الجَوْزِيّ لَيْسَ المُراد من قَوْله اعْمَلُوا الِاسْتِقْبال وإنَّما هو للماضي وتَقْدِيره أي عمل كانَ لكم فقد غفرته قالَ ويدل على ذَلِك شَيْئانِ: أحدهما أنه لَو كانَ للمستقبل كانَ جَوابه قَوْله فسأغفر لكم. والثّانِي أنه كانَ يكون إطلاقا في الذُّنُوب ولا وجه لذَلِك. وَحَقِيقَة هَذا الجَواب أنِّي قد غفرت لكم بِهَذِهِ الغَزْوَة ما سلف من ذنوبكم لكنه ضَعِيف من وجْهَيْن: أحدهما أن لفظ اعْمَلُوا يأباه فَإنَّهُ للاستقبال دون الماضِي وَقَوله فقد غفرت لكم لا يُوجب أن يكون اعْمَلُوا مثله فَإن قَوْله قد غفرت تَحْقِيق لوُقُوع المَغْفِرَة في المُسْتَقْبل كَقَوْلِه ﴿أتى أمر الله﴾ ﴿وَجاء رَبك﴾ ونظائره. الثّانِي أن نفس الحَدِيث يردّه فَإن سَببه قصّة حاطِب وتجسسه على النَّبِي وذَلِكَ ذَنْب واقع بعد غَزْوَة بدر لا قبلها وهو سَبَب الحَدِيث فَهو مُراد مِنهُ قطعا فالَّذِي نظن في ذَلِك والله أعلم أن هَذا خطاب لقوم قد علم الله سُبْحانَهُ أنّهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الإسْلام وأنَّهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غَيرهم من الذُّنُوب ولَكِن لا يتركهم سُبْحانَهُ مصرِّين عَلَيْها بل يوفّقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذَلِك ويكون تخصيصهم بِهَذا دون غَيرهم لِأنَّهُ قد تحقق ذَلِك فيهم وأنَّهم مغْفُور لَهُم ولا يمْنَع ذَلِك كَون المَغْفِرَة حصلت بِأسْباب تقوم بهم كَما لا يَقْتَضِي ذَلِك أن يعطّلوا الفَرائِض وثوقا بالمغفرة فَلَو كانَت قد حصلت بِدُونِ الِاسْتِمْرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذَلِك إلى صَلاة ولا صِيام ولا حج ولا زَكاة ولا جِهاد وهَذا محال ومن أوجب الواجِبات التَّوْبَة بعد الذَّنب فضمان المَغْفِرَة لا يوجّب تَعْطِيل أسباب المَغْفِرَة ونَظِير هَذا قَوْله في الحَدِيث الآخر أذْنب عبد ذَنبا فَقالَ أي ربّ أذنبت ذَنبا فاغفره لي فغفر لَهُ ثمَّ مكث ما شاءَ الله أن يمْكث ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر فَقالَ أي ربّ أصبت ذَنبا فاغْفِر لي فغفر لَهُ ثمَّ مكث ما شاءَ الله أن يمْكث ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر فَقالَ رب أصبت ذَنبا فاغفره لي فَقالَ الله علم عَبدِي أن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب ويَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاءَ فَلَيْسَ في هَذا إطْلاق وإذن مِنهُ سُبْحانَهُ لَهُ في المحرّمات والجرائم وإنَّما يدل على أنه يغْفر لَهُ ما دامَ كَذَلِك إذا أذْنب تابَ واختصاص هَذا العَبْد بِهَذا، لِأنَّهُ قد علم أنه لا يصر على ذَنْب وأنه كلما أذْنب تابَ حكم يعم كل من كانَت حاله حاله لَكِن ذَلِك العَبْد مَقْطُوع لَهُ بذلك كَما قطع بِهِ لأهل بدر وكَذَلِكَ كل من بشّره رَسُول الله بِالجنَّةِ أو أخبرهُ بِأنَّهُ مغْفُور لَهُ لم يفهم مِنهُ هو ولا غَيره من الصَّحابَة إطْلاق الذُّنُوب والمعاصي لَهُ، ومسامحته بترك الواجِبات بل كانَ هَؤُلاءِ أشد اجْتِهادًا وحذرا وخوفا بعد البشارَة مِنهُم قبلها، كالعشرة المَشْهُود لَهُم بِالجنَّةِ. وَقد كانَ الصديّق شَدِيد الحذر والمخافة، وكَذَلِكَ عمر، فَلهم علمُوا أن البشارَة المُطلقَة مقيّدة بشروطها والاستمرار عَلَيْها إلى المَوْت، ومقيدة بانتقاء موانعها ولم يفهم أحد مِنهُم من ذَلِك الإطْلاق الإذْن فِيما شاءوا من الأعْمال. (فصل) وَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ بِالجَهازِ، وأمَرَ أهْلَهُ أنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أبو بكر عَلى ابْنَتِهِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وهي تُحَرِّكُ بَعْضَ جَهازِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أيْ بُنَيَّةُ أمَرَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَجْهِيزِهِ؟ قالَتْ: نَعَمْ فَتَجَهَّزْ، قالَ: فَأيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قالَتْ: لا واللَّهِ ما أدْرِي. ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَ النّاسَ أنَّهُ سائِرٌ إلى مَكَّةَ، فَأمَرَهم بِالجِدِّ والتَّجْهِيزِ، وقالَ: «اللَّهُمَّ خُذِ العُيُونَ والأخْبارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَها في بِلادِها» فَتَجَهَّزَ النّاسُ. فَكَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى قُرَيْشٍ كِتابًا يُخْبِرُهم بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، ثُمَّ أعْطاهُ امْرَأةً، وجَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى أنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، فَجَعَلَتْهُ في قُرُونٍ في رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ، وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ بِما صَنَعَ حاطب، فَبَعَثَ عليا والزبير - وغَيْرُ ابْنِ إسْحاقَ يَقُولُ: «بَعَثَ عليا والمقداد والزبير - فَقالَ: انْطَلِقا حَتّى تَأْتِيا رَوْضَةَ خاخٍ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ إلى قُرَيْشٍ، فانْطَلَقا تَعادى بِهِما خَيْلُهُما، حَتّى وجَدا المَرْأةَ بِذَلِكَ المَكانِ فاسْتَنْزَلاها، وقالا: مَعَكِ كِتابٌ؟ فَقالَتْ: ما مَعِي كِتابٌ، فَفَتَّشا رَحْلَها فَلَمْ يَجِدا شَيْئًا، فَقالَ لَها علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحْلِفُ بِاللَّهِ ما كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا كَذَبْنا، واللَّهِ لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ، أوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ، فَلَمّا رَأتِ الجِدَّ مِنهُ، قالَتْ: أعْرِضْ، فَأعْرَضَ فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِها فاسْتَخْرَجَتِ الكِتابَ مِنها، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِما فَأتَيا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإذا فِيهِ: مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهم بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطبا، فَقالَ: ما هَذا يا حاطب؟ فَقالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وما ارْتَدَدْتُ ولا بَدَّلْتُ ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ لَسْتُ مِن أنْفُسِهِمْ، ولِي فِيهِمْ أهْلٌ وعَشِيرَةٌ ووَلَدٌ ولَيْسَ لِي فِيهِمْ قَرابَةٌ يَحْمُونَهُمْ، وكانَ مَن مَعَكَ لَهم قَراباتٌ يَحْمُونَهُمْ، فَأحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي ذَلِكَ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ فَإنَّهُ قَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وقَدْ نافَقَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ يا عمر لَعَلَّ اللَّهَ قدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم " فَذَرَفَتْ عَيْنا عمر، وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ». ثُمَّ مَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو صائِمٌ، والنّاسُ صِيامٌ حَتّى إذا كانُوا بِالكُدَيْدِ - وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ النّاسُ اليَوْمَ قُدَيْدًا - أفْطَرَ وأفْطَرَ النّاسُ مَعَهُ. ثُمّ مَضى حَتّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ، وهو بَطْنُ مَرٍّ، ومَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ وعَمّى اللَّهُ الأخْبارَ عَنْ قُرَيْشٍ فَهم عَلى وجَلٍ وارْتِقابٍ، وكانَ أبو سفيان يَخْرُجُ يَتَحَسَّسُ الأخْبارَ، فَخَرَجَ هو وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وبديل بن ورقاء، يَتَحَسَّسُونَ الأخْبارَ، وكانَ العباس قَدْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأهْلِهِ وعِيالِهِ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالجُحْفَةِ، وقِيلَ…

Tefsir yükleniyor…