Felak Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr
ابن قيم الجوزية
روى مسلم في صحيحه من حديث قيس بن حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: أعوذ برب الفلق. أعوذ برب الناس». وفي لفظ آخر من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن عقبة: أن رسول الله ﷺ قال له «ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ به المتعوذون؟ قلت: بلى. قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس». وفي الترمذي: حدثنا قتيبة أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة» وقال: هذا حديث غريب. وفي الترمذي والنسائي وسنن أبي داود. عن عبد الله بن حبيب قال: «خرجنا في ليلة مطر وظلمة، نطلب النبي ﷺ ليصلّي لنا، فأدركناه، فقال: قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. فلم أقل شيئا. ثم قال: قل. قلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل: قل هو الله أحد والمعوذتين، حين تمسي وحين تصبح، ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الترمذي أيضا: من حديث الجريري عن أبي هريرة عن أبي سعيد قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان. فلما نزلتا أخذهما وترك ما سواهما» قال: وفي الباب عن أنس. وهذا حديث غريب. وفي الصحيحين عن عائشة «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه. وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به». قلت: هكذا رواه يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة. ذكره البخاري. ورواه مالك عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث. فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيده، رجاء بركتها» وكذلك قال معمر عن الزهري عن عروة عنها «أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها. فسألت ابن شهاب: كيف كان ينفث؟ قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه» ذكره البخاري أيضا. وهذا هو الصواب: أن عائشة كانت تفعل ذلك. والنبي ﷺ لم يأمرها ولم يمنعها من ذلك. وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه فلا ولعل بعض الرواة رواه بالمعنى. فظن أنها لما فعلت ذلك وأقرها النبي ﷺ: أنه كان يأمرها. وفرق بين الأمرين. ولا يلزم من كون النبي ﷺ قد أقرها على رقيته أن يكون هو مسترقيا. فليس أحدهما بمعنى الآخر. ولعل الذي كان يأمرها به: إنما هو المسح على نفسه بيده. فيكون هو الراقي لنفسه ويده لما ضعفت عن التنقل على سائر بدنه أمرها أن تنقلها على بدنه. ويكون هذا غير قراءتها هي عليه، ومسحها على بدنه. فكانت تفعل هذا وهذا. والذي أمرها به إنما هو نقل يده لا رقيته. والله أعلم. والمقصود: الكلام على هاتين السورتين. وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما. وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرا خاصا في دفع السحر والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس، فنقول والله المستعان: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول. وهي أصول الاستعاذة. أحدها: نفس الاستعاذة. والثانية: المستعاذ به. والثالثة: المستعاذ منه. فبمعرفة ذلك تعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين. فنعقد لهما ثلاثة فصول: الفصل الأول: في الاستعاذة. والثاني: في المستعاذ به. والثالث في المستعاذ منه. (الفصل الأول) اعلم أن لفظة «عاذ» وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والنجاة. وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذا، كما يسمى: ملجأ ووزرا. وفي الحديث «أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ فوضع يده عليها، قالت: أعوذ بالله منك. فقال لها. لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك». فمعنى «أعوذ» ألتجئ وأعتصم، وأتحرز. وفي أصله قولان. أحدها: أنه مأخوذ من الستر. والثاني: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة. فأما من قال: إنه من الستر فقال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها «عوّذ» بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها: سموه عوّذا. فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجنّ به منه. ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلّص منه «عوّذ» لأنه اعتصم به، واستمسك به. فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه. والقولان حق. والاستعاذة تنتظمهما معا. فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به، معتصم به. قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفا وقصده به، فهرب منه. فعرض له أبوه في طريق هربه. فإنه يلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك. فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه. وبعد، فمعنى الاستعاذة القائم بقلب المؤمن وراء هذه العبارات. وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه: أمر لا تحيط به العبارة. ونظير هذا: التعبير عن معنى محبته وخشيته، وإجلاله ومهابته. فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنّين لم تخلق له شهوة أصلا، فمهما قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه. فإذا وصفتها لمن خلقت الشهوة فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق. وأصل هذا الفعل: «أعوذ» بتسكين العين وضم الواو، ثم أعلّ بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو. فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، فقالوا في اسم الفاعل: عائذ. وأصله: عاوذ. فوقعت الواو بعد ألف فاعل، فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم، وخائف. وقالوا في المصدر: عياذا بالله. وأصله: عواذا كلوذ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها، ولم تحصنها حركتها. لأنها قد ضعفت بإعلالها في العمل. وقالوا: مستعيذ. وأصله: مستعوذ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، فلما كسرت العين قبلت قبلها كسرة، فقلبت ياء على أصل الباب. فإن قلت: فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل الأكثر أن يقال: أعوذ بالله، وتعوّذت، دون أستعيذ، واستعذت؟ قلت: السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله، أي أطلب العياذ به. كما إذا قلت: أستخير الله: أي أطلب خيرته، وأستغفره. أي أطلب مغفرته. وأستقيله. أي أطلب إقالته. فدخلت في الفعل إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ. فإذا قال المأمور: أعوذ بالله. فقد امتثل ما طلب منه. لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام. وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك. فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما بالله، أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله. وهذا بخلاف ما إذا قيل: استغفر الله. فقال: أستغفر الله. فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله. فإذا قال: أستغفر الله، كان ممتثلا. لأن المعنى: أطلب من الله أن يغفر لي. وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين والتاء، فيقول: أستعيذ بالله. أي…