Kadir Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

قال النبي ﷺ لعائشة وقد سألته ما تدعو به إن وافقت ليلة القدر: «قَوْلِي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي» (صحيح). وقال ﷺ كَقَوْلِهِ: «مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ» (نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ يَحْسُنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْها) وَهِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ وألَحَّ عَلَيْهِ، حَتّى قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ في آخِرِ مَسْألَتِهِ: التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ هَذا ثُمَّ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ وحَدَّثَ، قالَ: فاهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ فَقُلْت: أقْسَمْت عَلَيْك يا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّي عَلَيْك لَتُحَدِّثَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، قالَ: فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضَبًا ما غَضِبَ عَلَيَّ مِن قَبْلُ ولا مِن بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، ولا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدُ». وقال في (إعلام الموقعين) «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، أفِي رَمَضانَ أوْ في غَيْرِهِ؟ قالَ: بَلْ في رَمَضانَ فَقِيلَ: تَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ ما كانُوا فَإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ أمْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ قالَ: بَلْ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقِيلَ: في أيِّ رَمَضانَ هِيَ؟ قالَ التَمِسُوها في العَشْرِ الأُوَلِ، أوْ في العَشْرِ الأُخَرِ فَقِيلَ: في أيِّ العِشْرِينَ؟ قالَ: ابْتَغَوْها في العَشْرِ الأواخِرِ، لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَقالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لِما أخْبَرْتَنِي في أيِّ العَشْرِ هِيَ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: التَمِسُوها في السَّبْعِ الأواخِرِ، لا تَسْألَنَّ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها» ذَكَرَهُ أحْمَدُ، والسّائِلُ أبُو ذَرٍّ، وعِنْدَ أبِي داوُد «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: في كُلِّ رَمَضانَ». «وَسُئِلَ عَنْها أيْضًا فَقالَ: كَمْ اللَّيْلَةُ؟ فَقالَ السّائِلُ: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ، فَقالَ: هي اللَّيْلَةُ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: أوْ القابِلَةُ يُرِيدُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ»، ذَكَرَهُ أبُو داوُد. «وَسَألَ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: مَتى نَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ؟ فَقالَ: التَمِسُوها هَذِهِ اللَّيْلَةَ وذَلِكَ مَساءُ لَيْلَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ». «وَسَألَتْهُ ﷺ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنْ وافَقْتُها فَبِمَ أدْعُو؟ قالَ قُولِي اللَّهُمَّ إنّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (فائدة) قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ. وَهَذا القائِلُ إنْ أرادَ أنَّها كانَتْ مَعْلُومَةً، فَرُفِعَ عِلْمُها عَنِ الأُمَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: لَمْ يُرْفَعْ عِلْمُها عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ وإنْ رُفِعَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وإنْ أرادَ أنَّ حَقِيقَتَها وكَوْنَها ساعَةَ إجابَةٍ رُفِعَتْ، فَقَوْلٌ باطِلٌ مُخالِفٌ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) روى شُعْبَة عَن الحكم عَن مُجاهِد في قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧] قالَ هو الوَلَد وقالَهُ الحكم وعِكْرِمَة والحسن البَصْرِيّ والسُّديّ والضَّحّاك وَأرْفَع ما فِيهِ ما رَواهُ مُحَمَّد بن سعد عَن أبِيه حَدثنِي عمي حَدثنِي أبي عَن أبِيه عَن ابْن عَبّاس قالَ هو الوَلَد وقالَ ابْن زيد هو الجِماع وقالَ قَتادَة ابْتَغوا الرُّخْصَة الَّتِي كتب الله لكم وعَن ابْن عَبّاس رِوايَة أُخْرى قالَ لَيْلَة القدر. والتَّحْقِيق أن يُقال لما خفف الله عَن الأمة بِإباحَة الجِماع لَيْلَة الصَّوْم إلى طُلُوع الفجْر وكانَ المجامع يغلب عَلَيْهِ حكم الشَّهْوَة وقَضاء الوطر حَتّى لا يكاد يخْطر بِقَلْبِه غير ذَلِك أرشدهم سُبْحانَهُ إلى أن يطلبوا رِضاهُ في مثل هَذِه اللَّذَّة ولا يباشروها بِحكم مُجَرّد الشَّهْوَة بل يَبْتَغُوا بها ما كتب الله لَهُم من الأجر والولد الَّذِي يخرج من أصلابهم يعبد الله لا يُشْرك بِهِ شَيْئا ويبتغوا ما أباحَ الله لَهُم من الرُّخْصَة بِحكم محبته لقبُول رخصه فَإن الله يحب أن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَما يكره أن تُؤْتى مَعْصِيَته ومِمّا كتب لَهُم لَيْلَة القدر وأمرُوا أن يبتغوها لَكِن يبْقى أن يُقال فَما تعلق ذَلِك بِإباحَة مُباشرَة أزواجهم فَيُقال فِيهِ إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أُبِيح لَهُم من المُباشرَة عَن طلب هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي هي خير من ألف شهر فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُول اقضوا وطركم من نساءكم لَيْلَة الصّيام ولا يشغلكم ذَلِك عَن ابْتِغاء ما كتب الله لكم من هَذِه اللَّيْلَة الَّتِي فَضلكم الله بها. والله أعلم. (مسألة) فَإنْ قُلْتَ: أيُّ العَشْرَيْنِ أفْضَلُ؟ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، أوِ العَشْرُ الأخِيرُ مِن رَمَضانَ؟ وَأيُّ اللَّيْلَتَيْنِ أفْضَلُ؟ لَيْلَةُ القَدْرِ، أوْ لَيْلَةُ الإسْراءِ؟ قُلْتُ: أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ فالصَّوابُ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ أفْضَلُ مِن لَيالِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أفْضَلُ مِن أيّامِ عَشْرِ رَمَضانَ، وبِهَذا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الِاشْتِباهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لَيالِيَ العَشْرِ مِن رَمَضانَ إنَّما فُضِّلَتْ بِاعْتِبارِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وهي مِنَ اللَّيالِي، وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ إنَّما فُضِّلَ بِاعْتِبارِ أيّامِهِ، إذْ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ. وَأمّا السُّؤالُ الثّانِي، فَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ رَجُلٍ قالَ: لَيْلَةُ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ. وَقالَ آخَرُ: بَلْ لَيْلَةُ القَدْرِ أفْضَلُ فَأيُّهُما المُصِيبُ؟ فَأجابَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا القائِلُ بِأنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنْ أرادَ بِهِ أنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ فِيها بِالنَّبِيِّ ﷺ ونَظائِرُها مِن كُلِّ عامٍ أفْضَلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ قِيامُها والدُّعاءُ فِيها أفْضَلَ مِنهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهَذا باطِلٌ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو مَعْلُومُ الفَسادِ بِالِاطِّرادِ مِن دِينِ الإسْلامِ. هَذا إذا كانَتْ لَيْلَةُ الإسْراءِ تُعْرَفُ عَيْنُها، فَكَيْفَ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ لا عَلى شَهْرِها ولا عَلى عَشْرِها ولا عَلى عَيْنِها، بَلِ النُّقُولُ في ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَيْسَ فِيها ما يُقْطَعُ بِهِ، ولا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ تَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لَيْلَةُ الإسْراءِ بِقِيامٍ ولا غَيْرِهِ، بِخِلافِ لَيْلَةِ القَدْرِ، فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ، وأنَّهُ أنْزَلَ فِيها القُرْآنَ. وَإنْ أرادَ…

Tefsir yükleniyor…