Asr Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

(فصل) ومن ذلك إقسامه بالعصر على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرًا أمر معروف في لغتهم قال: ؎ولن يلبث العصران يوم وليلة ∗∗∗ إذا طلبا أن يدركا ما تيمما ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة، والآية فيه فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة، وأخذ أحدهما من صاحبه تارة، واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد، وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد، وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرًا وشرًا تأبى أن يسوى بينهم، وأن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الإنسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين وتأمل حكمة القرآن لما قال ﴿إنَّ الإنسان لَفي خُسْرٍ﴾ فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ولما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ وسع الاستثناء وعممه فقال ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولم يقل وتواصوا فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين، فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضًا على الأعيان، وقد تكون فرضًا على الكفاية وقد تكون مستحبة والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك ولما قال في سورة والتين ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ قال ﴿إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح، وانقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الإنسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحق، وصبر عليه، فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الإنساني من العلم النافع والعمل الصالح والإحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك. وقوله تعالى ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب، ونوع على المشروع. وهذا النوع أيضا نوعان صبر على الأوامر، وصبر عن النواهي. فذاك صبر على الإرادة والفعل، وهذا صبر عن الإرادة والفعل. فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار قال النبي ﷺ في حق ابنته "مرها فلتصبر ولتحتسب" وقال تعالى ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ وقال ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ فالصبر بدون الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى، وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور. وقال تعالى ﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف. والله المستعان. (فصل) وسمع قارئا يقرأ: ﴿والعَصْرِ (١) إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ (٢) إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ فقال: لو أن الناس أخذوا كلهم بهذه السورة لوسعتهم أو كفتهم، كما قال الشافعي رضي الله عنه: "لو فكر الناس في سورة والعصر لكفتهم " فإنه سبحانه قسم نوع الإنسان فيها قسمين: خاسرا ورابحا، فالرابح من نصح نفسه بالإيمان والعمل الصالح، ونصح الخلق بالوصية بالحق المتضمنة لتعليمه وإرشاده، والوصية بالصبر المتضمنة لصبره هو أيضا، فتضمنت السورة النصيحتين والتكميلين وغاية كمال القوتين، بأخصر لفظ و وجزه وأهذبه و حسنه ديباجة وألطفه موقعا. أما النصيحتان فنصيحة العبد نفسه، ونصيحته أخاه بالوصية بالحق والصبر عليه. وأما التكميلان فهو تكميله نفسه وتكميله أخاه. وأما كمال القوتين فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والنظر، وكمالها بالإيمان، وقوة الإرادة والحب والعمل، وكمالها بالعمل الصالح، ولا يتم ذلك لها إلا بالصبر. فصار هاهنا ستة امور: ثلاثة يفعلها في نفسه ويأمر بها غيره، تكميل قوته العلمية بالإيمان، والعملية بالأعمال الصا لحة، والدوام على ذلك بالصبر عليه، وأمره لغيره بهذه الثلاثة، فيكون مؤتمرا بها آمرا بها متصفا بها معلما لها داعيا إليها، فهذا هو الرابح كل الربح، وما فاته من الربح بحسبه وحصل له نوع من الخسران، والله المستعان وعليه التكلان. وقال في (مفتاح دار السعادة) قوله تَعالى: ﴿والعصر إن الإنْسان لفي خسر إلّا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصبرِ﴾ قالَ الشّافِعِي رضى الله عَنهُ "لَو فكر النّاس كلهم في هَذِه السُّورَة لكفتهم" وَبَيان ذَلِك أن المَراتِب أربعة وباستكمالها يحصل للشَّخْص غايَة كَماله: إحداها معرفَة الحق الثّانِيَة عمله بِهِ…

Tefsir yükleniyor…