Naziat Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr
ابن قيم الجوزية
(فصل) ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابِحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم وهم جماعة كقوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ وأما قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإما أن يكون واحدًا وله أعوان، وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ثم صار مثلًا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديًا. وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس. وقال ابن مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على هذا فهو فعل لازم وغرقًا على هذا معناه نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون وأشده. وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الإقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من هاهنا وتغرق هاهنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع. قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال. وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي: إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه. وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ وقال ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ وقال ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ولم يسمها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع. وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي، وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء. وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين، وهم معزولون عن سماعه، وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث، فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئًا منه وعزلهم عن سمعه. ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه، فإن الشيطان يبدر مسرعًا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشهب الثواقب فتهلكه، وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له وفسرت (السابقات سبقًا) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته. وأما (المدبرات أمرًا) فأجمعوا على أنها الملائكة. قال مقاتل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض، وهم (المقسمات أمرًا) قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وملك الموت موكل بقبض الأنفس، وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم. وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب. انتهى. وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا، وللرؤيا ملك موكل بها، وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها، وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك. فالدنيا وما فيها والجنة…