Enam Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr
ابن قيم الجوزية
(فصل) ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان كانت كمالا للحيوان خصوصا لنوع الإنسان فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه وإنما ابتلاه ليعافيه وإنما أماته ليحييه فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب كماله طورا بعد طور إلى آخر كماله بأسباب لا بد منها وكماله موقوف على تلك الأسباب ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ولوازم ذلك ولوازم تلك اللوازم ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه وكماله فيفرض أمورا ممتنعة ويقدرها تقديرا ذهنيا ويحسب أنها أكمل من الممكن الواقع ومع هذا فربها يرحمها لجهلها وعجزها ونقصها فإن اعترفت بذلك واعترفت له بكماله وحمده وقامت بمقتضى هذين الاعترافين كان نصيبها من الرحمة أوفر والله سبحانه افتتح الخلق بالحمد وختم أمر هذا العالم بالحمد فقال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وأنزل كتابه بالحمد وشرع دينه بالحمد وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد فحمده من لوازم ذاته إذ يستحيل أن يكون إلا محمودا فالحمد سبب الخلق وغايته الحمد أوجبه وللحمد وجد فحمده واسع لما وسعه علمه ورحمته وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما فلم يوجد شيئا ولم يقدره ولم يشرعه إلا بحمده ولحمده وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات الحميدة ولا بد من لوازمها ولوازم لوازمها ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه وما بينهما وما شاء من شيء بعد مما خلقه ويخلقه بعد هذا الخلق فحمده ملأ ذلك كله وحمده تعالى أنواع حمد على ربوبيته وحمد على تفرده بها وحمد على ألوهيته وتفرده وحمد على نعمته وحمد على منته وحمد على حكمته وحمد على عدله في خلقه وحمد على غناه عن إيجاد الولد والشريك والولي من الذل وحمده على كماله الذي لا يليق بغيره فهو محمود على كل حال وفي كل آن ونفس وعلى كل ما فعل وكل ما شرع وعلى كل ما هو متصف به وعلى كل ما هو منزه عنه وعلى كل ما في الوجود من خير وشر ولذة وألم وعافية وبلاء فكما أن الملك كله له والقدرة كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والجمال كله له والحمد كله له كما في الدعاء المأثور "اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله واليك يرجع الأمر كله وأنت أهل لأن تحمد" وما عمرت الدنيا إلا بحمده ولا الجنة إلا بحمده ولا النار إلا بحمده حتى إن أهلها ليحمدونه كما قال الحسن: "لقد دخل أهل النار النار وإن قلوبهم لتحمده ما وجدوا عليه من حجة ولا سبيل". (فائدة) ومن هذا قوله تعالى: ﴿اللهُ ولى الَّذِينَ آمَنُوا يَخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فوحد النور الذي هو سبيله وجمع الظلمات التي هي سبيل الشيطان. ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ مع أن فيه سرًا ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وعماذا حصل وأن أصله كله واحد، وأما الظلمات فهى متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهي كثيرة جدًا، لكل حجاب ظلمة خاصة، ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادي جل جلاله أصلًا لا وصفًا ولا ذاتًا ولا اسمًا ولا فعلًا، وإنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته جل جلاله، تعالى أن يكون كمثله شيء وهو نور السماوات والأرض. قال ابن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه ذكره الدارمي عنه. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: نور، أنّى أراه،. والمقصود أن الطريق إلى الله تعالى واحد، فإنه الحق المبين والحق واحد، مرجعه إلى واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد، وطرقه متعددة. وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها، رحمة منه وفضلًا، فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق. وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق وهي واحدة جامعة لكل ما يرضي الله، وما يرضيه متعدد متنوع فجميع ما يرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، وكلها طرق مرضاته، فهذه التي جعلها الله سبحانه لرحمته، وحكمته كثيرة متنوعة جدًا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم، ولو جعلها نوعًا واحدًا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد، ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امريءٍ إلى ربه طريقًا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله. ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد بل تنوع الشريعة الواحدة مع وحدة المعبود ودينه، ومنه الحديث المشهور: " الأنْبِياءُ أوْلادُ عَلات دينهم واحد" فأولاد العلات أن يكون الأب واحدًا والأُمهات متعددة، فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد وشرائعهم بالأمهات المتعددة، فإنها وإن تعددت فمرجعها كلها إلى أب واحد. وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، قد وفر عليه زمانه مبتغيًا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفًا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته. قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى الله ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ على الله﴾ [النساء: ١٠٠]. وقد حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته وأخبره أنه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ، فإن العبد يموت على ما عاش عليه. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، والمُلْكِ، والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ، والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوى التُّرابُ بِرَبِّ الأرْبابِ، وكَيْفَ يُسَوى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوى الفَقِيرُ بِالذّاتِ الضَّعِيفُ بِالذّاتِ العاجِزُ بِالذّاتِ المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ، وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ، وإحْسانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟ فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحُ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدُّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عَدَلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ - ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في…