İsra Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

ذكره سُبْحانَهُ باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الإسراء ومقام الدعْوَة ومقام التحدي فَقالَ في مقام الإسراء ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ولم يقل بِرَسُولِهِ ولا نبيه إشارَة إلى أنه قامَ هَذا المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لرَبه. وَقالَ في مقام الدعْوَة ﴿وَأنه لما قامَ عبد الله يَدعُوهُ كادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ وَقالَ في مقام التحدي ﴿وَإن كُنْتُم في ريب مِمّا نزلنا على عَبدنا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيث الشَّفاعَة وتراجع الأنبياء فِيها وقَول المَسِيح "اذْهَبُوا إلى مُحَمَّد عبد غفر الله لَهُ ما تقدم من ذَنبه وما تَأخّر" فَدلَّ ذَلِك على أنه نالَ ذَلِك المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لله وكَمال مغْفرَة الله لَهُ وإذا كانَت العُبُودِيَّة عند الله بِهَذِهِ المنزلَة اقْتَضَت حكمته أن اسكن آدم وذريته دارا ينالون فِيها هَذِه الدرجَة بِكَمال طاعتهم لله وتقربهم إليه بمحابه وترك مألوفاتهم من أجله فَكانَ ذَلِك من تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وإحسانه إليهم (فصل) وَحَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ: الذُّلُّ والخُضُوعُ لِلْمَحْبُوبِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، قَدْ ذَلَّلَتْهُ الأقْدامُ، فالعَبْدُ هو الَّذِي ذَلَّلَهُ الحُبُّ والخُضُوعُ لِمَحْبُوبِهِ، ولِهَذا كانْتَ أشْرَفُ أحْوالِ العَبْدِ ومَقاماتِهِ في العُبُودِيَّةِ، فَلا مَنزِلَ لَهُ أشْرَفُ مِنها. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمَ الخَلْقِ عَلَيْهِ وأحَبَّهم إلَيْهِ، وهو رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، وهي مَقامُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ومَقامُ التَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ، ومَقامُ الإسْراءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. وَقالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وَقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١]. حَدِيثُ الشَّفاعَةِ: «اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ»، فَنالَ مَقامَ الشَّفاعَةِ بِكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ، وكَمالِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي هي أكْمَلُ أنْواعِ المَحَبَّةِ مَعَ أكْمَلِ أنْواعِ الخُضُوعِ، وهَذا هو حَقِيقَةُ الإسْلامِ ومِلَّةُ إبْراهِيمَ الَّتِي مَن رَغِبَ عَنْها فَقَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ - إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ - ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ - أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠-١٣٣]. وَلِهَذا كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ الشِّرْكُ. (فائدة) في قوله تعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِه﴾ دون بعث بعبده وأرسل به ما يفيد مصاحبته له في مسراه فإن الباء هنا للمصاحبة كالهاء في قوله: هاجر بأهله وسافر بغلامه وليست للتعدية فإن أسرى يتعدى بنفسه يقال سري به وأسراه وهذا لأن ذلك السري كان أعظم أسفاره والسفر يعتمد الصاحب ولهذا كان المسافر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر". فإن قيل: فهذا المعنى يفهم من الفعل الثلاثي لو قيل سري بعبده فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء؟ ففيه أجوبة: أحدها: أنهما بمعنى وأن أسرى لازم كسرى تقول سرى زيد وأسرى بمعنى واحد هذا قول جماعة. الثاني: أن أسرى متعد ومفعوله محذوف أي أسرى بعبده البراق هذا قول أبي القاسم السهيلي وغيره ويشهد للقول الأول قول الصديق أسرينا ليلتنا كلها ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة. الجواب الصحيح أن الثلاثي المتعدي بالباء يفهم منه شيئان: أحدهما: صدور الفعل من فاعله. الثاني: مصاحبته لما دخلت عليه الباء. فإذا قلت سريت بزيد وسافرت به كان قد وجد منك السري والسفر مصاحبا لزيد فيه كما قال: ولقد سريت على الظلام بمعشر ... ومنه الحديث: "أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها "، وأما المتعدي بالهمزة فيقتضي إيقاع الفعل بالمفعول فقط كقوله تعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ونظائره فإذا قرن هذا المتعدي بالهمزة أفاد إيقاع الفعل على المفعول مع المصاحبة المفهومة من الباء ولو أتى فيه بالثلاثي فهم منه معنى المشاركة في مصدره وهو ممتنع فتأمله. (لطيفة) كانت كرامة رسول الله ﷺ مفاجأة من غير ميعاد ليحمل عنه ألم الانتظار، ويفاجأ بالكرامة بغتة، وكرامة موسى - عليه السلام - بعد انتظار أربعين ليلة. (فائدة) تسخير البراق لحمل رسول الله ﷺ في ليلة واحدة مسيرة شهرين ذهابا وإيابا أعظم من تسخير الريح لسليمان مسيرة شهرين في يوم واحد ذهابا وإيابا، فإن الريح سريعة الحركة طبعها الإسراع بما تحمله وأما البراق فالآية فيه أعظم. (فائدة) قول الملائكة للنبي ﷺ ليلة الإسراء: "مرحبا به" أصل في استعمال هذه الألفاظ وما ناسبها عند اللقاء نحو (أهلا وسهلا ومرحبا وكرامة وخير مقدم وأيمن مورد) ونحوها. ووقع الاقتصار منها على لفظ مرحبا وحدها لاقتضاء الحال لها، فإن الترحيب هو السعة وكان قد أفضى إلى واسع الأماكن ولم يطلق فيها سهلا لأن معناه وطئت مكانا سهلا والنبي ﷺ محمولا إلى السماء. (فائدة) قول النبي ﷺ عن يوسف "أوتي شطر الحسن" قالت طائفة المراد منه أن يوسف أوتي شطر الحسن الذي أوتيه محمد، فالنبي ﷺ بلغ الغاية في الحسن، ويوسف بلغ شطر تلك الغاية. قالوا ويحقق ذلك ما رواه الترمذي من حديث قتادة عن أنس قال: "ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا". والظاهر أن معناه أن يوسف عليه السلام اختص على الناس بشطر الحسن واشترك الناس كلهم في شطره فانفرد عنهم بشطره وحده وهذا ظاهر اللفظ فلماذا يعدل عنه واللام في الحسن للجنس لا للحسن المعين والمعهود المختص بالنبي ﷺ أدري ما الذي حملهم علي العدول عن هذا إلى ما ذكروه وحديث أنس لا ينافى هذا بل يدل على أن النبي ﷺ أحسن الأنبياء وجها وأحسنهم صوتا ولا يلزم من كونه أحسنهم وجها أن لا يكون يوسف اختص عن الناس بشطر الحسن واشتركوا هم في الشطر الآخر ويكون النبي ﷺ شارك يوسف فيما اختص به من الشطر وزاد عليه بحسن آخر من الشطر الثاني. والله أعلم. (فصل) أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وجَسَدِهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى فَوْقِ السَّماواتِ بِجَسَدِهِ ورُوحِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَخاطَبَهُ وفَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَواتِ، وكانَ ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً، هَذا أصَحُّ الأقْوالِ. وَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مَنامًا، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ: أُسْرِيَ…

Tefsir yükleniyor…