İhlas Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

(لطيفة) وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فهو توحيد منه لنفسه، وأمر للمخاطب بتوحيده. فإذا قال العبد ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ كان قد وحد الله بما وحد به نفسه وأتى بلفظة قل تحقيقا لهذا المعنى وأنه مبلغ محض قائل لما أمر بقوله والله أعلم. وهذا بخلاف قوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن الله لا يستعيذ من أحد وذلك عليه محال، بخلاف قوله: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فإنه خبر عن توحيده وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد فتأمل هذه النكتة البديعة والله المستعان. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ لكمال صمديته ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لتفرده بالكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره. (فصل) وَلَمّا سَألَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَقِيقَةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ: مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ وَلِذَلِكَ لَمّا سَألَ فِرْعَوْنُ مُوسى عَنْ حَقِيقَةِ رَبِّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] أجابَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾. إذْ لا وُصُولَ لِلْبَشَرِ إلى حَقِيقَةِ ذاتِهِ، فَدَلَّهم عَلى نَفْسِهِ بِصِفاتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ؛ مِن كَوْنِهِ صَمَدًا، وصِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلثُّبُوتِ؛ مِن كَوْنِهِ " لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ " لَمْ يَجْعَلْ لَهم سَبِيلًا إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والكُنْهِ. (فصل) «وَسَألَهُ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ سُورَةَ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَقالَ: حُبُّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ». وَفِي لفظ آخر «أخبروه أن الله يُحِبهُ» «وَقالَ لَهُ ﷺ رَجُلٌ: لَيْسَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ ما أتَزَوَّجُ بِهِ، قالَ: أوَلَيْسَ مَعَكَ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: ثُلُثُ القُرْآنِ قالَ ألَيْسَ مَعَكَ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ قالَ ألَيْسَ مَعَكَ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ قالَ ألَيْسَ مَعَكَ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ. ألَيْسَ مَعَكَ آيَةُ الكُرْسِيِّ؟ قالَ: بَلى، قالَ: رُبْعُ القُرْآنِ قالَ: تَزَوَّجْ، تَزَوَّجْ، تَزَوَّجْ، ثَلاثَ مَرّاتٍ» ذَكَرَهُ أحْمَدُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أحَدٌ، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَهَذا تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، وشَهادَةِ الدّاعِي لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وثُبُوتِ صِفاتِهِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِاسْمِ الصَّمَدِ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " العالِمُ الَّذِي كَمُلَ عِلْمُهُ، القادِرُ الَّذِي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ " وَفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ السُّؤْدُدِ " وَقالَ أبُو وائِلٍ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهى سُؤْدَدُهُ " وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وبِنَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ " وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، والتَّوَسُّلُ بِالإيمانِ بِذَلِكَ، والشَّهادَةُ بِهِ هو الِاسْمُ الأعْظَمُ. (فائدة) من مَواطِن الصَّلاة عَلَيْهِ ﷺ عند دُخُول المنزل ذكره الحافِظ أبُو مُوسى المَدِينِيّ وروى فِيهِ من حَدِيث أبي صالح بن المُهلب عَن أبي بكر بن عمران حَدثنِي مُحَمَّد بن العَبّاس بن الوَلِيد حَدثنِي عَمْرو بن سعيد حَدثنا ابْن أبي ذِئْب حَدثنِي مُحَمَّد بن عجلان عَن أبي حازِم عَن سهل بن سعد قالَ جاءَ رجل إلى النَّبِي ﷺ فَشَكا إلَيْهِ الفقر وضيق العَيْش أو المعاش فَقالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ "إذا دخلت مَنزِلك فَسلم إن كانَ فِيهِ أحد أو لم يكن فِيهِ أحد، ثمَّ سلم عَليّ واقرأ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ مرّة واحِدَة" فَفعل الرجل، فأدر الله عَلَيْهِ الرزق حَتّى أفاض على جِيرانه وقراباته. (فصل) وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ: أيُّ الصَّلاتَيْنِ آكَدُ سُنَّةُ الفَجْرِ أوِ الوِتْرُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: ولا يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ بِاخْتِلافِ الفُقَهاءِ في وُجُوبِ الوِتْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا أيْضًا في وُجُوبِ سُنَّةِ الفَجْرِ، وسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: سُنَّةُ الفَجْرِ تَجْرِي مَجْرى بِدايَةِ العَمَلِ، والوِتْرُ خاتَمَتُهُ. ولِذَلِكَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي سُنَّةَ الفَجْرِ والوِتْرَ بِسُورَتَيِ الإخْلاصِ وهُما الجامِعَتانِ لِتَوْحِيدِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَوْحِيدِ المَعْرِفَةِ والإرادَةِ، وتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والقَصْدِ، انْتَهى. فَسُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقادِ والمَعْرِفَةِ، وما يَجِبُ إثْباتُهُ لِلرَّبِّ تَعالى مِنَ الأحَدِيَّةِ المُنافِيَةِ لِمُطْلَقِ المُشارَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والصَّمَدِيَّةِ المُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا يَلْحَقُها نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ والوالِدِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الصَّمَدِيَّةِ، وغِناهُ وأحَدِيَّتِهِ، ونَفْيِ الكُفْءِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ والتَّنْظِيرِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إثْباتَ كُلِّ كَمالٍ لَهُ، ونَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ، ونَفْيَ إثْباتِ شَبِيهٍ أوْ مَثِيلٍ لَهُ في كَمالِهِ، ونَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وهَذِهِ الأُصُولُ هي مَجامِعُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الِاعْتِقادِيِّ الَّذِي يُبايِنُ صاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلالِ والشِّرْكِ، ولِذَلِكَ كانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ مَدارُهُ عَلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، والإنْشاءُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإباحَةٌ. والخَبَرُ نَوْعانِ: خَبَرٌ عَنِ الخالِقِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ، وخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ. فَأخْلَصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ الخَبَرَ عَنْهُ، وعَنْ أسْمائِهِ، وصِفاتِهِ، فَعَدَلَتْ ثُلُثَ القُرْآنِ، وخَلَّصَتْ قارِئَها المُؤْمِنَ بِها مِنَ الشِّرْكِ العِلْمِيِّ، كَما خَلَّصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ العَمَلِيِّ الإرادِيِّ القَصْدِيِّ. ولَمّا كانَ العِلْمُ قَبْلَ العَمَلِ وهو إمامُهُ وقائِدُهُ وسائِقُهُ، والحاكِمُ عَلَيْهِ ومُنْزِلُهُ مَنازِلَهُ، كانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.…

Tefsir yükleniyor…