Tekasür Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr
ابن قيم الجوزية
أخبر سبحانه أن التكاثر شغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة، حتى حضرهم الموت، فزاروا المقابر دون الموت، ولم يفيقوا من رقدة إلهاء التكاثر. وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقر به إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن الشخّير أنه قال: «انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو يقرأ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟». ثم توعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا، إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثورا، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعا وغرورا، فوجد عاقبة تكاثره اليه لا له، وخسر هنالك تكاثره. كما خسره أمثاله. وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره في دنياه، ثم عذب في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة. فكان أشقي الناس بتكاثره. إذ أفاد منه العطب، دون الغنيمة والسلامة. فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين. فيا له تكاثرا ما أثقله وزرا، وما أجلبه من غنى جالبا لكل فقر، وخيرا توصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه. يا ليتني قدمت لحياتي، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ فقيل له كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها تلك كلمته يقولها. فلا يعول عليها. ورجعته يسألها، فلا يجاب إليها. وتأمل قوله أولا «رب» استغاث بربه، ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى، وقال: «ارجعوني» ثم ذكر سبب سؤال الرجعة. وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه، فيقال له «كلا» لا سبيل لك إلى الرجعة، وقد عمّرت ما يتذكر فيه من تذكر. ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استقاله، وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته - أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة: هو قائلها، لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا. لو أجيب. وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وإنه لو ردّ لعاد لما نهى عنه، وإنه من الكاذبين. فحكمة أحكم الحاكمين، وعزته وعلمه وحمده، يأبى إجابته إلى ما سأل. فإنه لا فائدة من ذلك. ولو رد لكانت حاله الثانية مثل حاله الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾. وقوله: ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ جوابه محذوف، دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه. فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلّف موجبه عنه أندر شيء. وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في أهل بدر: ؎سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ∗∗∗ لو يعلمون يقين العلم ما ساروا قيل: تأكيد لحصول العلم. كقوله: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وقيل: ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت. والعلم الثاني في القبر. وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس. ويدل على صحة هذا القول: عدة أوجه. أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل. وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة. الثاني: توسط «ثم» بين العلمين، وهي مؤذنة بتراخي ما بين المرتبين زمانا وخطرا. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع. فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علما يقينا، هو فوق العلم الأول. الرابع: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر. قال الترمذي: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج بن منهال بن عمرو بن زر عن علي رضي الله عنه قال: «ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ» قال الواحدي: يعني أن معنى قوله: «كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» في القبر. الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى، وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى، وتراخي الثانية عنها. ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟ فإذ تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر الله تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه. والثاني: عن محل صرفه. كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه: فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟». وفيه أيضا: عن أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه؟ وعن علمه: فيما عمل فيه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أبلاه؟» وقال: هذا حديث صحيح «١». وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة - يعني من النعيم - أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟». وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال الزبير: يا رسول الله: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون» وقال: هذا حديث حسن. وعن أبي هريرة نحوه. وقال «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون». وقوله ﷺ: «إن ذلك سيكون» إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم. ويدل عليه: قوله ﷺ…