Talak Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

[فصل: في استدلال مَن فَسَّرَ الأقْراءَ بِالأطْهارِ بهذه الآية] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ: أنَّ اللّامَ هي لامُ الوَقْتِ، أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ في وقْتِ عِدَّتِهِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ: وقْتَ الدُّلُوكِ. وَتَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُكَ لِثَلاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، أيْ: في ثَلاثٍ بَقِينَ مِنهُ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، ثُمَّ يُطَلِّقَها، وهي طاهِرٌ، قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، ثُمَّ قالَ: فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ» فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ العِدَّةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ هي الطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الحَيْضَةِ، ولَوْ كانَ القُرْءُ هو الحَيْضَ كانَ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ العِدَّةِ لا في العِدَّةِ، وكانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْها، وهو غَيْرُ جائِزٍ، كَما لَوْ طَلَّقَها في الحَيْضِ. [فصل في حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُوافِقِ لِكِتابِ اللَّهِ أنَّهُ لا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ ولا سُكْنى] رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " «عَنْ فاطمة بنت قيس: أنَّ أبا عمرو بن حفص طَلَّقَها ألْبَتَّةَ وهو غائِبٌ، فَأرْسَلَ إلَيْها وكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما لَكِ عَلَيْنا مِن شَيْءٍ، فَجاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وما قالَ، فَقالَ: " لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ " فَأمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أم شريك، ثُمَّ قالَ " تِلْكَ امْرَأةٌ يَغْشاها أصْحابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمى تَضَعِينَ ثِيابَكِ، فَإذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ". قالَتْ: فَلَمّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ وأبا جهم خَطَبانِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا أبو جهم فَلا يَضَعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِهِ، وأمّا معاوية فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ، انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قالَ: " انْكِحِي أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ " فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا واغْتَبَطْتُ» وَفِي " صَحِيحِهِ " أيْضًا: عَنْها «أنَّها طَلَّقَها زَوْجُها في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ أنْفَقَ عَلَيْها نَفَقَةً دُونًا فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ قالَتْ: واللَّهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنْ كانَتْ لِي نَفَقَةٌ أخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وإنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنهُ شَيْئًا، قالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ (لا نَفَقَةَ لَكِ ولا سُكْنى)». [ذِكْرُ مُوافَقَةِ هَذا الحُكْمِ لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا - فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١-٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١-٣] فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأزْواجَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ الإمْساكُ والتَّسْرِيحُ بِأنْ لا يُخْرِجُوا أزْواجَهم مِن بُيُوتِهِمْ، وأمَرَ أزْواجَهُنَّ أنْ لا يَخْرُجْنَ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ إخْراجِ مَن لَيْسَ لِزَوْجِها إمْساكُها بَعْدَ الطَّلاقِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِهَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ أحْكامًا مُتَلازِمَةً لا يَنْفَكُّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ. أحَدُها: أنَّ الأزْواجَ لا يُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ. والثّانِي: أنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِ أزْواجِهِنَّ. والثّالِثُ: أنَّ لِأزْواجِهِنَّ إمْساكَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وتَرْكَ الإمْساكِ، فَيُسَرِّحُوهُنَّ بِإحْسانٍ. والرّابِعُ: إشْهادُ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهو إشْهادٌ عَلى الرَّجْعَةِ إمّا وُجُوبًا وإمّا اسْتِحْبابًا، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى حِكْمَةِ ذَلِكَ، وأنَّهُ في الرَّجْعِيّاتِ خاصَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ والأمْرُ الَّذِي يُرْجى إحْداثُهُ هاهُنا: هو المُراجَعَةُ. هَكَذا قالَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهُمْ، قالَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا أبو معاوية عَنْ داود الأودي عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ: لَعَلَّكَ تَنْدَمُ فَيَكُونَ لَكَ سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ. وَقالَ الضحاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يُراجِعَها في العِدَّةِ، وقالَهُ عطاء وقتادة والحسن، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ فاطمة بنت قيس: أيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ المَذْكُورَ هو الرَّجْعِيُّ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ، وأنَّ حِكْمَةَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ اقْتَضَتْهُ؛ لَعَلَّ الزَّوْجَ أنْ يَنْدَمَ ويَزُولَ الشَّرُّ الَّذِي نَزَغَهُ الشَّيْطانُ بَيْنَهُما فَتَتْبَعَها نَفْسُهُ فَيُراجِعَها كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَوْ أنَّ النّاسَ أخَذُوا بِأمْرِ اللَّهِ في الطَّلاقِ ما تَتَبَّعَ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأةً يُطَلِّقُها أبَدًا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأمْرَ بِإسْكانِ هَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ فَقالَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فالضَّمائِرُ كُلُّها يَتَّحِدُ مُفَسِّرُها وأحْكامُها كُلُّها مُتَلازِمَةٌ، وكانَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما النَّفَقَةُ والسُّكْنى لِلْمَرْأةِ إذا كانَ لِزَوْجِها عَلَيْها رَجْعَةٌ» مُشْتَقًّا مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُفَسِّرًا لَهُ وبَيانًا لِمُرادِ المُتَكَلِّمِ بِهِ مِنهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ اتِّحادُ قَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمِيزانُ العادِلُ مَعَهُما أيْضًا لا يُخالِفُهُما، فَإنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَكُونُ لِلزَّوْجَةِ، فَإذا بانَتْ مِنهُ صارَتْ أجْنَبِيَّةً، حُكْمُها حُكْمُ سائِرِ الأجْنَبِيّاتِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ اعْتِدادِها مِنهُ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ لَها نَفَقَةً كالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أوْ زِنًى، ولِأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ في مُقابَلَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، وهَذا لا…

Tefsir yükleniyor…