Alak Sûresi 1. Âyet Tefsiri — İbnü'l-Kayyim — Bedâiu't-Tefsîr

ابن قيم الجوزية

(فصل) اعلم أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه (سُورَة القَلَم) فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾ فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾ وَخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق. ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا أحد أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ، والخَيْر كُله مِنهُ، والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله، والمجد كُله لَهُ، فَهو الأكرم حَقًا. ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس. ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾ فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها، فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة: أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿خلق﴾ المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾ المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية، فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق، والنطق فرع التَّصَوُّر. فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها، وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه، فَهو الخالِق المعلم، وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد، وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه. وَهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم. والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى، فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها، وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ. (تَنْبِيه) ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة أنزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾ فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارِجِي. ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة، والآية فِيهِ عَظِيمَة، ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين. وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة. ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم، فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الأمتعة من الذّهاب والبطلان. فنعمة الله عَز وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله. فَهُوَ الَّذِي علمه الكِتابَة، وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم، فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم. هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ، واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ، والبنان الَّذِي يخط بِهِ، ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات، ومن الَّذِي أنطق لِسانه، وحرك بنانه، ومن الَّذِي دعم البنان بالكف، ودعم الكَفّ بالساعد، فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم. فقف وقْفَة في حال الكِتابَة، وتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم، وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر، وجوابات المسائِل. فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك، ورسمها في ذهنك، ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك، ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته، فتقضي بِهِ مآربك، وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة، فَيقوم مقامك، ويترجم عَنْك، ويتَكَلَّم على لسانك، ويقوم مقام رَسُولك، ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من ﴿علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي، والوجود اللَّفْظِيّ، والوجود الرسمي. فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب. وَدلّ قَوْله ﴿خلق﴾ على أنه يعْطي الوُجُود العَيْنِيّ، فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى خلقا وتعليما، وذكر خلقين وتعليمين خلقا عاما، وخلقا خاصّا، وتعليما خاصّا وتعليما عاما، وذكر من صِفاته هاهُنا اسْم (الأكرم) الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال، فَلهُ كل كَمال وصفا، ومِنه كل خير فعلا، فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله، وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه، لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد. [فَصْلٌ: في مَبْعَثِهِ ﷺ وأوَّلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ] بَعَثَهُ اللَّهُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ وهي سِنُّ الكَمالِ. قِيلَ: ولَها تُبْعَثُ الرُّسُلُ، وأمّا ما يُذْكَرُ عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ ولَهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً فَهَذا لا يُعْرَفُ لَهُ أثَرٌ مُتَّصِلٌ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ. «وَأوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيا، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ…

Tefsir yükleniyor…