Meryem Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Tuayb — Fethu'r-Rahmân
تعيلب
──────────────────────────────────────────────────
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ { كهيعص { 1 ) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا { 2 ) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا { 3 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا { 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا { 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا { 6 ) } ﴿كهيعص﴾{[1948]} قد تكون من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ؛ وربما تكون اسما للسورة ؛ أو كباقي فواتح السور ، يمكن أن يراد بها التحدي ، على معنى : أن الكاف والهاء والياء والعين والصاد حروف تنطقون بها ، والقرآن حروفه كتلك التي بها تتكلمون ، لكنكم عجزتم وأنتم العرب الفصحاء عن الإتيان بمثل هذا الفرقان الذي أنزلناه بلسان عربي مبين ، فعلم بذلك أنه ليس من كلام البشر ، بل هو كلام رب القوي والقدر . ، وأورد المفسرون أقوالا أخرى ؛ ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ لعل المعنى : هذا الذي نوحيه إليك فيه ذكر{[1949]} رحمة مولاك التي نالت عبد الله ونبيه زكريا{[1950]} عليه السلام وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل ، ومن نسل سليمان عليه السلام ؛ وفي صحيح البخاري أنه كان نجارا يأكل من عمل يده ؛ ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ ؛ لكأن المعنى : اذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ دعاه دعاء يسر{[1951]} به ، أو يستره عن الناس وإنما أخفي دعاءه عليه السلام لأنه أدخل في الإخلاص ، وأبعد عن الرياء ، وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد . . {[1952]} . ﴿قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا﴾ كان من دعاء زكريا عليه السلام أن تضرع إلى ربه بتذلل وخضوع ؛ [ وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن ، وبه قوامه ، وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته ؛ ولأنه أشد ما فيه وأصلبه ، فإذا وهن كان ما وراءه أهون ، ووحده ، لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية ، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام ، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ]{[1953]} ؛ وانتشر البياض في شعر رأسي ؛ وأورد علماء المعاني أن في الآية لطائف{[1954]} ؛ ﴿ولم أكن بدعائك رب شقيا﴾ كأنما يتوسل عليه السلام إلى ربنا ومولانا بما من عليه من قبل وأنه بفضله يحقق سؤله ، ولا يخيب رجاءه ؛ أي لم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل ، بل كلما دعوتك استجبت لي . ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾ : ﴿الموالي﴾ القرابة والعصبة وأبناء العم ، والعرب تسمي بني العم : موالي ؛ يقول الشاعر{[1955]} : مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا . ﴿من ورائي﴾ من بعدي في الزمن ؛ نقل عن مجاهد وقتادة وغيرهما : أراد بالموالي العصبة ؛ ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا ، فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه . . ا ه ﴿وكانت امرأتي عاقرا﴾ وقد كانت زوجتي لا تلد ، من حيث شبابها إلى مشيبها وهي عقيم ؛ قالوا : والعاقر وصف يستوي فيه الذكر والأنثى ؛ ﴿فهب لي من لدنك وليا﴾ فأعطني اللهم تفضلا من عندك تابعا ومحبا ومعينا ؛ دعا ربه أن يمنحه ولدا بارا ؛ وفي سورة آل عمران حكى الله دعاء زكريا عليه السلام بما في الآية الكريمة : { . . دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ){[1956]} . ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ ينال هذا الولي الذي سألتك أن تمنحنيه ينال مما آتيتني من العلم ، وما آتيت أبناء لإسرائيل من النبوة ؛ [ وقوله : ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ صفة لوليا كما هو المتبادر من الجمل الواقعة بعد النكرات ؛ . . . وآل الرجل : خاصته الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين ؛ و﴿يعقوب﴾ على ما روى عن السدي هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . . . والمراد من الوراثة في الموضعين العلم على ما قيل ]{[1957]} ؛ وذهب بعض إلى أن ﴿يرثني﴾ يراد به يرث مالي ؛ لكن صاحب تفسير القرآن العظيم رد هذا الرأي بما حاصله : النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده ، وأن يأنف من وراثة عصباته له ، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم ؛ هذا وجه ؛ الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ، ومثل هذا لا يجمع مالا ولاسيما الأنبياء ، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا ؛ الثالث أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ما تركناه صدقة " ؛ وفي رواية عن الترمذي بإسناد صحيح : " نحن معشر الأنبياء لا نورث " ؛ وعلى هذا فتعين حمل قوله : ﴿فهب لنا من لدنك وليا . يرثني﴾ على ميراث النبوة ، ولهذا قال : ﴿ويرث من آل يعقوب﴾ كقوله : { وورث سليمان داود ) أي في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان في الإخبار بذلك كبير الفائدة ، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه ، فلولا أنها وراثة خاصة ما أخبر بها . ﴿واجعله رب رضيا﴾ يدعوا أن يكون هذا الذي سيرزقه الله إياه من أهل محبة الله أي : مرضيا عندك قولا وفعلا ، وقيل راضيا ؛ والأول أنسب . . وعلى ما قلنا يكون دعا بتوفيقه للعمل ، كما أن الأول متضمن للدعاء بتوفيقه للعلم ، فكأنه طلب أن يكون ولده عالما عاملا ؛ وقيل : اجعله مرضيا بين عبادك أي متبعا .
══════════════════════════════════════════════════════════════════════