Tebbet Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Resânî — Rumûzü'l-Künûz
الرسعني
{ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } * { مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } * { سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } * { وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } * { فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ } والسبب في نزولها: ما أخرج في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتكم إن حدّثتكم أن العدو مصبّحكم أو ممسّيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا تباً لك، فأنزل الله تعالى: { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ } إلى آخرها ".
ومعنى: " تَبَّتْ ": خَسِرَتْ يدا أبي لهب. [والمراد: جملته، فهو كقوله:
{ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ
} [الحج: 10].
وأبو لهب] عم النبي صلى الله عليه وسلم، اسمه: عبد العزى، وكُنِّي بأبي لهب: لتوقد وجهه حُسْناً.
وإنما كَنَّاهُ الله تعالى؛ لاشتهاره بالكنية، والتسجيل عليه بأنه لا يراد بهذا الأمر الفظيع سواه، ولما في تسميته بعبد العزى من الشرك.
وقرأ ابن كثير: " لَهْبٍ " بإسكان الهاء، وهما لغتان، كالنَّهَر والنَّهْر، والشَّمْع والشَّمَع. وإنما يسوغ هذا فيما كان على هذا الوزن، وحرف الحلق عين الفعل [أو لامه].
قوله تعالى: { وَتَبَّ } إخبار أن التَّباب قد حصل له ووقع به. فالأول دعاء عليه، والثاني خبر.
ويؤيده قراءة ابن مسعود: " وقد تبّ ".
{ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ } استفهام في معنى الإنكار عليه. ويجوز أن يكون نفياً.
" وما " في قوله: { وَمَا كَسَبَ } موصولة أو مصدرية، ومحلها الرفع. على معنى: ما أغنى عنه ماله والذي كسبه، أو كسبه.
والمراد بكسبه: ولده. وكان قال حين أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان ما يقول محمد حقاً فإني أفتدي بمالي وولدي.
ويجوز أن يراد: ما أغنى عنه رأس ماله ولا أرباحه التي اكتسبها، أو ما أغنى عنه ماله الذي ورثه وما كسبه هو.
ثم توعده بالنار فقال: { سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ }.
{ وَٱمْرَأَتُهُ } أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، { حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ }.
قرأ عاصم: " حَمَّالَةَ " بالنصب على الذم. وقرأ الباقون: بالرفع على الصفة، أو على معنى: هي حمالة الحطب.
قال مجاهد والسدي: كانت تمشي بالنميمة. والعرب تقول: فلانٌ يحطب على فلان؛ إذا كان يُغري به ويُفسد أمره. قال الشاعر يذكر امرأة:
منَ البيضِ لمْ تُصْطَدْ على ظَهْرِ سَوْأَةٍ
ولم تَمْشِ بين الحيِّ بالحَطَبِ الرَّطْب
وقال الضحاك وابن زيد: كانت تحتطب الشوك فتُلقيه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً.
والقولان عن ابن عباس.
وقال قتادة: كانت تُعَيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، وكانت تحتطب، فعُيّرت بذلك.
قال الثعلبي: وهذا قول ليس بقوي؛ لأن الله وصفهم بالمال والولد، وحمل الحطب ليس بعيب.
قلتُ: وليس هذا التضعيف بشيء؛ لأن الاحتطاب مع كثرة المال دناءة وخسّة يأباها ذووا الأَنَفَة.
وقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا. تقول العرب: فلانٌ حاطب قريته؛ إذا كان مفسداً فيهم، جانياً عليهم.
قوله تعالى: { فِي جِيدِهَا } أي: في عنقها { حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ }.
قال ابن قتيبة وغيره: المَسَد: ما أُحكم فَتْلُه من أي شيء كان.
والمعنى: في عنقها حبل من ما مُسِدَ، رابطةً به حزمة من الحطب على ظهرها.
ذكر الله صورتها وهيئتها والحطب على ظهرها، والحبل في عنقها؛ تصغيراً لها، وتحقيراً لشأنها. ولن تجد أنكى لها ولزوجها من المناداة عليها بذلك، وهما من الشرف والعزة والمنعة والمال بالمكانة التي كانا عليها.
وقيل: المعنى: في جيدها في جهنم حبل من مسد، وهي سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذراعاً، قد أُحكم فَتْلُها، تُعذَّبُ بها في النار.
قال أهل العلم: وفي هذه السورة دلالة واضحة على صحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى أخبر عن مصير أبي لهب وامرأته إلى النار، وكانا من أحرص الناس على إبطال أمره، وإفساد ما جاء به، ولم يؤمنا به نقاماً، ليظهرا للناس الخُلْفَ فيما تُوعِّدا به.
وعندي: أن فيه دلالة على صحة نبوته من وجهين آخرين:
أحدهما: أنه لو لم يكن هذا من عند الله تعالى لم يقدم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على التسجيل عليهما به؛ لجواز وقوع الإسلام منهما في ثاني الحال، فيفضي إلى تطرُّق الطعن عليه من أعدائه.
الثاني: أنه أخبر بذلك واستمرّ موجبه، وهو [كُفْرُهُما] إلى الموت المفضي بهما إليه.
قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
" لما نزلت هذه السورة أقبلت أم جميل ولها ولولة وفي يدها فِهْر وهي تقول: مذمّماً أَبَيْنا، ودينه قَلَيْنا، وأمره عَصَيْنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه أبو بكر، فقال: هذه أم جميل يا رسول الله، وأنا أخاف أن تراك، فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به قال: { وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً } [الإسراء: 45]، ثم أقبلت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر إني أُخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا، ورب هذا البيت ما هجاك، فولّت فعثرت في مِرْطها فقالت: تعس مذمم، ثم انصرفت ".