Beled Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Resânî — Rumûzü'l-Künûz
الرسعني
{ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } * { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } * { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } * { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } * { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } * { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } * { أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } * { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } * { وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ } * { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } قال الله تعالى: { لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } وقرأ عكرمة ومجاهد وأبو عمران وأبو العالية: " لأقسم ". وقد ذكرنا توجيه القراءتين في أول القيامة.
أقسم الله تعالى بالبلد الحرام، وهو مكة شرفها الله تعالى، وبما بعده، على أن الإنسان خلق مغموراً في مكابدة المشاقّ والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }.
واختلفوا في معنى: " وأنت حِل "؛ فقال ابن عباس ومجاهد وجمهور المفسرين: المعنى: وأنت يا محمد في المستقبل من الزمان، ونظيره:
{ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ
} [الزمر: 30] حلال بهذا البلد، تصنع فيه ما تشاء، من قتل وأسر، فيكون خارجاً مخرج البشارة له، بأنه سيفتح عليه، فيكون [فيه] حِلاًّ، فظهر أثر ذلك يوم الفتح، وأحله له ساعة من النهار، فقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة، وغيرهما. ثم قال:
" إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ".
ويحتمل عندي على هذا القول: أن تكون الواو في " وأنْتَ " حاليّة، فيكون مُقْسِماً بالبلد الحرام على أكمل أوصافه، وأحسن أحواله، مُطهَّراً من الأصنام وعابديها، مُحَلَّى بزينة أهل الإيمان، فإنه لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على مكة وجد حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً، فجعل يطعن فيها ويقول:
" جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد "
، وأذّن بلال على الكعبة رافعاً صوته بقوله: " أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله " ، فنال منهم ذلك كل منال، وأعزّ الله دين الإسلام في ذلك اليوم، وأذلّ سلطان الشرك.
وقيل: المعنى: وأنت حِلٌّ عند المشركين، يستحلون أذاك وقتلك وإخراجك، ويحرّمون قتل الصيد.
فإن قيل: ما فائدة الاعتراض بقوله: { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } على ما قاله المفسرون؟
قلتُ: فائدته على القول الأول: ما أشرتُ إليه من البشارة بأنه سيُفتح عليه هذا البلد العظيم، الذي وقع القسم به، ويَحكم فيه وعلى أهله بما يشاء.
وفائدته على القول الآخر: ذَمُّ المشركين حيث استحلوا مثل محمد صلى الله عليه وسلم في بلد من شأنه أن الله أقسم به، والإعلام بأن مثله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا البلد الحرام ما خلا من مكابدة الشدائد، فيكون ذلك خارجاً مخرج التقرير والتحقيق لما أقسم الله عليه من خلق الإنسان في كبد.
فإن قيل: هلاّ اكتفى بالكناية عن البلد فقال: " وأنت حِلٌّ به "؟
قلتُ: كرره تفخيماً لشأنه، كقول الشاعر:
لا أرَى الموتَ يسبقُ الموتَ شيء
نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا
قوله تعالى: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } قال الحسن ومجاهد وقتادة: آدم وذريته.
وقال أبو عمران الجوني: إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما.
قال بعض العلماء: فيكون قد أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرمُ أبيه إبراهيم، ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه.
وقيل: هو عام في كل والد وما ولد.
وقوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ } جواب القسم، وهو اسم جنس، عند ابن عباس وعامة المفسرين.
وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه أذنب ذنباً، فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يُكفّر فقال: لقد ذهب مالي في النفقات والكفارات منذ دخلت في دين محمد.
وقال ابن زيد: آدم عليه السلام.
وقال الحسن: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من بني جمح، كان كثير المال، شديد القوة، عظيم الخَلْق، يظن لذلك أن لن يقدر عليه الله ولا يُعاقبه.
وقيل: الوليد بن المغيرة.
والصحيح: الأول، وأنه اسم جنس.
ولا منافاة بين ذلك وبين [النزول على] ما نُقل من السبب.
وقوله: { فِي كَبَدٍ } من قولهم: كَبدَ الرجل كَبَداً فهو أكْبَد؛ إذا وجِعتْ كبدُه وانتفخَت، فاتُّسعَ فيه حتى استُعمل في كل تعبٍ ومشقة، ومنه اشتُقَّت: المكابدة، وأنشدوا قول لبيد:
يا عينُ هلاّ بكيتِ أرْبَدَ إذْ
[قُمْنَا] وقَامَ الخُصُومُ في كَبَد
أي: في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
قال عمر رضي الله عنه: يُكابد الشكر على السراء، والصبر على الضراء؛ لأنه لا يخلو من أحدهما.
وقال الحسن: لا أعلم خليقة تُكابد من الأمر ما يُكابد هذا الإنسان، لا يزال يُكابد أمراً حتى يُفارق الدنيا، وهو مع ذلك أضعف الخلق.
وقال في رواية أخرى: يكابد مضايق الدنيا، وشدائد الآخرة.
قوله: { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } أي: أيظن الذي نزل ما نزل بسببه -وهو الحارث-، أن لن يقدر عليه أحد.
قال قتادة: أيظن أني لا أسأله عن هذا المال من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟.
أو هو أبو الأشدين، على معنى: أيظن هذا الصنديد الشديد لاستحكام خلقه، واشتداد قوته، أني لا أقدر على الانتقام منه.
[وكان] يقوم على الأديم العكاظي ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فلا يُنزع إلا قَطْعاً، ويبقى موضع قدميه.
{ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } يريد: كثرة ما أنفقه.
قال ابن قتيبة: هو المال المتلبد، كأن بعضه على بعض.
وقرأ أبو بكر الصديق وعائشة وأبو عبد الرحمن وقتادة: " لُبَّداً " بتشديد الباء. وبها قرأتُ لأبي جعفر.
وقرأ عثمان بن عفان والحسن ومجاهد: بضم الباء واللام من غير تشديد.
وقرأ علي وأبو الجوزاء: بكسر اللام وفتح الباء مخففة.
وقرأ أبو عمران وأبو المتوكل: " لُبْداً " بتخفيف الباء وتسكينها.
فقراءة الجمهور جمع: لُبْدَة، بضم اللام، وقراءة الصِّدِّيق ومن تابعه جمع: لابد، مثل: راكع ورُكَّع، وقراءة عثمان ومن وافقه جمع: لبُود، وقراءة علي رضي الله عنهم أجمعين جمع: لِبَدَة، بكسر اللام.
فإن قلنا: هو الحارث، فالمعنى ظاهر على ما ذكرناه من قوله في سبب النزول.
وإن قلنا هو أبو الأشدين، فالمعنى: يقول أهلكت مالاً لبداً في عداوة محمد.
{ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } حين أنفق ما أنفق حتى يُكذّب ويتزيّد في قوله: لقد [ذهب] مالي في النفقات، وفي عداوة محمد، كأنه كان يفتخر بذلك، ويتّخذ به يداً عند المشركين.
وهذا [التقرير] والتحرير وتهذيب المعاني على مُساوقة الأقوال، وكيفية ارتباط الاعتراض بقوله: " وأنت حِلٌّ " بالقسم وجوابه، وتحرير كون الواو في " وأنت حِلٌّ " حاليّة، فلا يكون حينئذ اعتراضاً، كل ذلك مما عقلْتُه فقلته، لا مما وجدته فنقلته.
ثم ذكّره الله سبحانه وتعالى نِعَمَهُ عليه ليعتبر، فذلك قوله تعالى: { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } يبصر بهما المرئيات.
{ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ } يُترجم بهما عن ضميره، ويستعين بهما على كثير من مصالحه.
{ وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } سبيل الخير والشر.
وقيل: الثديين. على معنى: ألهمناه الارتضاع منهما. والقولان عن ابن عباس.
والأول قول علي عليه السلام، والحسن البصري، وجمهور المفسرين. والثاني قول سعيد بن المسيب والضحاك وقتادة.