İnşikak Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Resânî — Rumûzü'l-Künûz
الرسعني
{ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ } * { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } * { وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } * { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } * { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } * { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ } * { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } * { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } * { وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } * { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ } * { فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً } * { وَيَصْلَىٰ سَعِيراً } * { إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } * { إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } * { بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً } قال الله تعالى: { إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ } قال علي عليه السلام: تنشق السماء من المجرّة.
قال المفسرون: انشقاقُها من علامات الساعة. وذلك مذكور في مواضع من كتاب الله.
فإن قيل: أين جواب " إذا "؟
قلتُ: المختار عند المحققين أنه محذوف؛ ليذهب الذهن [إلى] كل مذهب من أنواع الأهوال.
قال بعضهم: حذف الجواب اكتفاء بما عُلم في [نظيرتيهما]، وهما التكوير والانفطار.
وقيل: جوابها ما دلّ عليه قوله: { فَمُلاَقِيهِ }. أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كَدْحَه. وهو اختيار الزجاج.
وقال المبرد: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت.
قوله تعالى: { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } أي: استمعت له، ومنه قوله عليه السلام:
" ما أَذِنَ الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ".
ومنه قول الشاعر:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خيراً ذُكرتُ به
وإن ذُكرتُ بِشَرٍّ عندهمْ أَذِنُوا
ومعنى الآية: أطاعت ربها في الانشقاق، وحقّ لها أن تطيعه.
قوله تعالى: { وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } قال ابن عباس: تُمَدُّ مَدَّ الأديم، ويُزاد في سعتها.
قال مقاتل: لا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها.
{ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } من الموتى والكنوز { وَتَخَلَّتْ } مما في باطنها من ذلك.
{ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } في إلقاء ما في باطنها وتخلّيها منه { وَحُقَّتْ } بأن تأذن له.
قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ } قال الزجاج: الكَدْحُ في اللغة: السَّعي والدُّؤوب في العمل في [باب] الدنيا وفي باب الآخرة.
قال تميم بن مقبل:
وما الدَّهْرُ إلا تَارتان فمنهُما
أموتُ [وأخرى] أبتغي العيشَ أكْدَحُ
أي: فتارة أسعى في طلب العيش وأدأب.
وقال مقاتل: إنك ساعٍ إلى ربك سعياً.
وقال ابن عباس وقتادة وعامة المفسرين: إنك عامل لربك عملاً.
وقال ابن قتيبة: فيه إضمار، تقديره: إلى لقاء ربك فَمُلاقٍ ربك.
وقيل: فَمُلاق عملك، وهو الكدح.
وابن كثير يصل الهاء في " فملاقيه " بياء. وقد ذكرنا علة ذلك فيما مضى.
قوله تعالى: { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } أي: سهلاً.
قالت عائشة رضي الله عنها: هو أن يُعَرَّفَ ذنوبه ثم يَتجاوز عنه.
أخبرنا الشيخان أبو القاسم السلمي وأبو الحسن الصوفي قالا: أخبرنا عبد الأول، أخبرنا عبدالرحمن، أخبرنا عبدالله، أخبرنا الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى -يعني: ابن سعيد-، عن عثمان ابن الأسود قال: سمعت ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة تقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البخاري: وحدثنا سليمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البخاري: وحدثنا مسدد، عن يحيى، عن أبي يونس حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ليس أحدٌ يُحاسب إلا هلك. قالت: قلت: يا رسول الله جعلني الله فداءك، أليس يقول الله عز وجل: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } قال: ذاك العَرْض يُعرضون، ومن نُوقش الحساب هلك "
هذا حديث متفق على صحته. وأخرجه مسلم عن عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى بن سعيد.
وأخرج الحاكم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ثلاثٌ من كُنّ فيه حاسبه الله حساباً يسيراً، وأدخله الجنة برحمته، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: تُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي يا رسول الله؟ قال: تُحاسب حساباً يسيراً، ويدخلك الله الجنة برحمته ".
قوله تعالى: { وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ } أي: ويرجع إلى أهله في الجنة، من الآدميات والحور العين { مَسْرُوراً } بما أوتي من الكرامة.
{ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ } قال ابن السائب: لأن يده اليمنى مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
قال مقاتل: تُخلع يده اليسرى فتكون من وراء ظهره.
{ فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً } يريد: أنه إذا قرأ كتابه دعا: يا ويلاه، يا ثبوراه. وقد ذكرنا ذلك عند قوله:
{ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً
} [الفرقان: 13].
قوله تعالى: { وَيَصْلَىٰ سَعِيراً } قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة: " ويَصْلَى " بفتح الياء وسكون الصاد وتحفيف اللام، أضافوا الفعل إلى الداخل في النار، فهو الفاعل، وهو مضمر في الفعل، وجعلوا الفعل ثلاثياً يتعدى إلى مفعول واحد، وهو " سعيراً " ، ودليله: إجماعهم على قوله: { وَيَصْلَىٰ سَعِيراً } ، وقوله:
{ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ
} [الصافات: 163].
وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، على ما لم يُسَمَّ فاعله.
{ إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } أي: إنه كان في الدنيا مسروراً باتباع هواه، وركوب شهواته، لا يهمّه أمر آخرته، ولا ينظر في عاقبة أمره.
{ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } لن يرجع إلى الله، تكذيباً بالبعث، يقال: حَارَ يَحُورُ حَوْراً؛ إذا رجع، وأنشدوا قول لبيد:
وما المرءُ إلا كالشِّهابِ وضوئِهِ
يحورُ رَمَاداً بعدَ إذ هُو ساطعُ
{ بَلَىٰ } إيجاب لما بعد النفي في " لن يحور " ، أي: بلى ليحورنّ.
{ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً } لا يخفى عليه شيء من أحواله، فهو يجازيه عليها.
وقال الزجاج: كان به بصيراً قبل أن يخلقه، عالماً بأن مرجعه إليه.