Haşr Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Resânî — Rumûzü'l-Künûz
الرسعني
{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ } * { وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ } * { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } * { مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ } الإشارة إلى قصتهم:
قال العلماء بالتفسير والسير: لما قدمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبِل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم، فلما غزا رسول الله الله صلى الله عليه وسلم بدراً [وظهر] على المشركين قالت بنو النضير: والله! إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة لا تردّ له راية، ثم قالوا: استأنُوا به حتى ننظر ما يكون من أمره في وقعة أخرى، فلما كانت أُحُد وانهزم المسلمون ارتابت بنو النضير، وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم [والمؤمنين]، فركب كعب بن [الأشرف] في أربعين راكباً من اليهود إلى مكة فأتوا قريشاً فحالفوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد، وتَوَثّقوا على ذلك بين أستار الكعبة، فنزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فلما قَفَل كعبُ بن الأشرف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فانتدب له أخوه من الرضاعة محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه، فقتله، وقصة قتْله معروفة عند أهل النقْل.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع من بني النضير على خيانة ونقض عهد، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي في نفر من أصحابه يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آمنهما، فقالوا: نفعل، وهمّوا بالغدر به، فقال عمرو بن جَحَّاش: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، فقال سلام بن مِشْكَم: لا تفعلوا والله ليُخْبَرَنَّ بما هممتهم به، فأوحى الله تعالى إليه ما [كادوه] به، فنهض سريعاً فتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه، فقالوا: قُمتَ يا رسول الله ولم نشعر! فقال: همّت يهودُ بالغدر، فأخبرني الله بذلك فقمت، وبَعَثَ إليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة: أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به، وقد أجّلتكم عشراً، فمن رُؤي بعد ذلك منكم ضُربت عنقه، فأخذوا في التجهيز، فدسّ إليهم ابن أُبيّ يقول: لا تخرجوا فإن معي ألفين من قومي وغيرهم، وتمدُّكُم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فاغترّوا بقوله، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إنا لا نخرج فاصنع ما بدا لك، فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبّر المسلمون لتكبيره، وقال: حاربتْ [يهود]، ثم سار إليهم في أصحابه، فلما رأوه قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة فاعتزلتهم قريظة وخذلهم ابن أُبيّ وحلفاؤهم من غطفان، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وقَطَعَ نخلهم، فضرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما [يأمرهم] به، فقالوا: ذلك لك، فصالحهم على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقَلَّتْ إبلُهم من أموالهم إلا الحَلْقَة، وهي السلاح.
وقال ابن عباس: صالحهم على أن يحمل أهل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، ولنبي الله صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحا، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر.
فوجد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خمسين درعاً وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفاً، فذلك قوله تعالى: { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ } يعني: يهود بني النضير.
[ { من ديارهم } قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير] مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أُحُد، وكان فتح قريظة مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان.
{ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ } قال ابن عباس: هم أول من حُشِرَ وأُخْرِجَ من دياره.
قال ابن السائب: هم أول من نُفي من أهل الكتاب.
وقال الحسن: هذا أول حشرهم، والحشر الثاني إلى أرض المحشر يوم القيامة.
قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر إلى الشام، فليقرأ هذه الآية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يومئذ: اخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر.
وقال مرة الهمداني: كان هذا أول الحشر لأنهم من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى يديه.
وقال قتادة: كان هذا أول الحشر، والثاني نارٌ تحشرهم من المشرق إلى المغرب، تبيتُ معهم إذا باتوا، وتقيلُ معهم إذا [قالوا]، وتأكلُ منهم من تخلّف.
قوله تعالى: { مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } أي: ما حسبتم ذلك لشدة بأسهم وكثرة عَدَدهم وعُدَدهم { وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ } أي: توهموا أن حصونهم مانعتهم، أي: عاصمتهم من بأس الله وسلطان رسوله، { فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، مِنْ قتل رئيسهم كعب بن الأشرف بيد أخيه من الرضاعة، فإنه كان سبب فشلهم وفَلِّ شوكتهم.
{ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } الخوف الذي ملأ قلوبهم.
قرأ أبو عمرو: " يُخَرِّبُونَ " بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الراء. وقرأ الباقون: بضم الياء وسكون الخاء وتخفيف الراء.
قال أبو عمرو: إنما اخترتُ التشديد؛ لأن الإخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن، وأن بني النضير نقضوا منازلهم ولم يرتحلوا عنها وهي معمورة.
قال ابن جرير: المشددة معناها: النقض والهدم، والمخففة معناها: ما [يخرجون] منها ويتركونها خراباً معطلة.
وقال قوم: التخريب والإخراب واحد.
والذي دعاهم إلى التخريب: حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدوا أفواه الأزقّة.
قال ابن عباس: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها؛ ليتسع لهم المَقَاتِل، وجعل أعداءُ الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها يتحصنون فيها.
وقال الضحاك: جعل المسلمون كلما هدموا شيئاً من حصونهم نقضوا من أبنيتهم ما يبنون به ما خرّبه المسلمون.
وقال ابن زيد: كانوا يقلعون العُمُد وينقضون السقوف، ويقلعون الخشب حتى الأوتاد؛ لئلا يسكنها المسلمون، حسداً منهم وبغضاً.
ومعنى تخريبهم بيوتهم بأيدي المؤمنين: أنهم عرّضوهم لذلك، وكانوا السبب فيه.
{ فَٱعْتَبِرُواْ } أي: تدبّروا ناظرين في عواقب الأمور { يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ } يا أرباب العقول.
قوله تعالى: { وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ } أي: ولولا أن قضى الله عليهم…