Fetih Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Resânî — Rumûzü'l-Künûz
الرسعني
{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } * { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } * { وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } أخبرنا الشيخان أبو القاسم وأبو الحسن البغداديان قالا: أخبرنا عبد الأول، أخبرنا عبدالرحمن، أخبرنا عبدالله، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه:
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: ثكلت أم عمر عمر، نَزَرْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحرّكت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصيح بي، فقلت: لقد نزل فيّ قرآن، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّمت عليه فقال: لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } "
هذا حديث صحيح انفرد بإخراجه البخاري.
وروى عطاء عن ابن عباس قال: لما نزلت:
{ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ
} [الأحقاف: 9] قال اليهود: كيف نتبع رجلاً لا يدري ما يُفعل به، فاشتدَّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً }.
وفي المراد بهذا الفتح أربعة أقوال: أنه فتح الحديبية. قاله أكثر العلماء.
وقال البراء بن عازب: نحن نعد الفتح بيعة الرضوان.
قال جابر بن عبدالله: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية.
وقال الشعبي: هو فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأُطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وغلبت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس.
وقال الزهري: لم يكن فتحٌ أعظم من فتح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير.
أخبرنا عبدالله، أخبرنا محمد، حدثنا محمد قال: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: " { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئاً مريئاً فما لنا؟ فأنزل الله:
{ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ
} [الفتح: 5] ".
وفي رواية مسلم عن أنس قال:
" لما نزلت: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } إلى قوله: { فوزاً عظيماً } مرجعه من الحديبية، وهم مخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد نزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً ".
القول الثاني: أنه فتح مكة. رواه مسروق عن عائشة، وبه قال السدي.
الثالث: أنه فتح خيبر. قاله مجاهد.
[الرابع: القضاء له بالإسلام].
والذي يقتضيه النظر الصحيح والبحث المستقيم: عموم ذلك في هذه الأقوال وغيرها، وأنه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بما قضى الله تبارك لهم في الظهور والاستعلاء بما سيفتح عليهم من مكة وخيبر وغيرهما.
فإن قيل: كيف يكون ذلك وهو بصيغة الماضي؟
قلتُ: هكذا تجد أكثر أخبار الله تعالى في كتابه العزيز يخرج للمستقبل في صيغة الماضي ليحقق كونه متيقن وجوده، واستواء الحالتين في علمه جل وعلا. أو نقول: الفتح: القضاء، على ما سبق في غير موضع من كتابنا، وقضاء الله تعالى له بذلك قد تقضى ومضى، فلذلك أخبر به بصيغة الماضي.
قال ابن قتيبة: المعنى: إنا قضينا لك قضاءً عظيماً.
قوله تعالى: { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } قال صاحب الكشاف: إن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟
قلتُ: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قيل: [يَسَّرنا] لك فتح مكة، ونصرناك على عدوك، لنجمع لك بين عزّ الدارين، وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون علة للغفران من حيث إنه جهاد.
والمراد: ليغفر لك الله جميع ما فرط منك.
قال ابن عباس والشعبي ومقاتل وعامة المفسرين: ما تقدم من الجاهلية وما بعدها.
قال بعض العلماء: هذا على سبيل التوكيد، كما يقال: فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه.
وقيل: ما تقدم من ذنب أبويك آدم وحواء، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعوتك. وفيه بُعْد.
أخبرنا الشيخان أحمد بن عبدالله وعلي بن أبي بكر قالا: أخبرنا أبو الوقت، أخبرنا أبو الحسن الداودي، أخبرنا عبدالله بن أحمد السرخسي، أخبرنا محمد بن يوسف بن مطر [الفربري]، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا ابن عيينة قال: حدثنا زياد أنه سمع المغيرة يقول:
" قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ".
وبهذا الإسناد قال البخاري: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن يحيى، حدثنا حيوة، عن أبي الأسود، سمع عروة، عن عائشة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً. فلما كثر لحمه صلى جالساً، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع ". هذا حديث متفق على صحته. أخرجه الإمام أحمد ومسلم عن هارون بن معروف، عن [أبي] صخر، عن ابن قسيط، عن عروة.
قوله تعالى: { وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } يعني: بالنبوة والفتح والمغفرة، { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } مثل قوله تعالى:
{ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
} [الفاتحة: 6].
{ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } قال الزجاج: نصراً ذا عز لا يقع معه ذل.