Tarık Sûresi 1. Âyet Tefsiri — Resânî — Rumûzü'l-Künûz
الرسعني
{ وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ } * { ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } * { إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } * { فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ } * { خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ } * { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ } * { إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } * { يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } * { فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ } قال الله تعالى: { وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ } يريد: النجم؛ [لأنه] يَطْرُقُ ليلاً.
قال الفراء والزجاج وابن قتيبة: كل من أتاك ليلاً [فقد] طَرَقك.
قال المفسرون: يريد: جنس النجوم. ومنه قول هند بنت عتبة:
نحن بنات طارق
......................
تريد: أن أبانا نجمٌ في ارتفاع شرفه وعلوّه.
ويروى [عن] علي عليه السلام: أنه زحل.
قال ابن عباس: هو نجم مسكنه في السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم.
وقال ابن زيد: يريد: الثريا.
وقد ذكرنا أنه عَلَمٌ له فيما مضى.
{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ } على معنى التعظيم له، والتفخيم لشأنه.
قال المفسرون: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدري ما المراد به لو لم يُنبَّه بقوله: { ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ } أي: المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه.
وجواب القسم: { إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } ، وقد ذكرنا اختلاف القراء السبعة في " لما " في يس عند قوله:
{ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا
} [يس: 32]، وأشرنا إلى تعليل القراءتين، وأوضحنا القول في ذلك إيضاحاً شافياً، فاطلبه هناك.
وقرأ أبيّ بن كعب وأبو المتوكل: " إنَّ كلَّ نفس " بتشديد النون ونصب " كُلّ ".
قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة.
قال قتادة: يحفظون عملك ورزقك وأجلك، إذا توفّيته يا ابن آدم قبضت إلى ربك.
ثم نَبَّهَ على البعث بقوله: { فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ } أي: فلينظر منكر البعث ببصيرته نظر تفكر واستدلال، من أيّ شيء خلقه الله؟!.
وجواب هذا الاستفهام قوله: { خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ } وهو المني. والدَّفْق: صَبٌّ فيه دفع. والمعنى: مدفوق.
قال الفراء: هو كقول العرب: سِرٌ كاتم، وَهَمٌّ ناصب، وليلٌ نائم، وعِيشةٌ راضية، وأهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلاً.
وقال الزجاج: مذهب سيبويه وأصحابه أن معناه: النسب إلى الاندفاق. المعنى: من ماء ذي اندفاق.
قال الزمخشري: ومعنى دافق: النسبة إلى الدفق الذي هو [مصدر] دفق، كاللاَّبن والتَّامر، أو الإسناد المجازي. والدفق في الحقيقة لصاحبه، قال: ولم يقل ماءين؛ لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه.
قوله: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ } قال الفراء: يخرج من الصلب والترائب، تقول للشيئين: ليخرجن من بين هذين خير كثير، ومن هذين خير كثير.
وفي الصلب أيضاً لغات؛ ضم الصاد واللام. -وبها قرأ ابن مسعود، وابن سيرين، وابن السميفع، وابن أبي عبلة-. وفتحهما، وقد قُرئ [بها] أيضاً، وصالب، بزيادة ألف.
والمعنى: يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة.
ويروى عن الحسن وقتادة: من بين صلب الرجل وترائبه.
والترائب: عظام الصدر.
قال الزجاج: أهل اللغة مجمعون على أن الترائب: موضع القلادة من الصدر، وأنشدوا لامرئ القيس:
مُهَفْهَفَةٌ بيضاءُ غيرُ مُفَاضَةٍ
تَرَائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَل
قوله تعالى: { إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } قد حصر الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رضي الله عنه أقوال المفسرين، ورتبها ترتيباً حسناً في هذه الآية فقال: الهاء في " إنه " كناية عن الله عز وجل، " على رجعه " الرجع: رد الشيء إلى أول حاله. وفي هذه الهاء -يعني في قوله: " رجعه " - قولان:
أحدهما: أنها تعود على الإنسان، ثم في المعنى قولان:
أحدهما: أنه على إعادة الإنسان حياً بعد موته قادر. قاله الحسن وقتادة.
قال الزجاج: ويدل على هذا القول قوله: { يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ }.
الثاني: أنه على رجعه من حال الكبر إلى الشباب، ومن حال الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة قادر. قاله الضحاك والفراء.
والقول الثاني: أنها تعود إلى الماء. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال:
أحدها: على رد الماء في الإحليل. قاله مجاهد.
الثاني: على رده في الصلب. قاله عكرمة والضحاك.
الثالث: على حبس الماء فلا يخرج. قاله ابن زيد. انتهى كلام أبي الفرج رحمه الله.
فإن قيل: ما العامل في قوله: { يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ }؟
قلتُ: المصدر الذي هو " رجع " ، على معنى: إنه على رجع الإنسان لقادر في ذلك اليوم. وهذا قول الحسن وقتادة.
قال: وهو الصحيح.
وعلى باقي الأقوال: العامل فيه مضمر، تقديره: اذكر يوم تبلى السرائر، أي: تُختبر الضمائر، وهي كل ما استسرَّ الإنسان به من خير أو شر، وأنشدوا قول الأحوص:
سَتَبْقَى لها في مُضْمَر القلبِ والحَشَا
سريرةُ وُدٍّ يومَ تُبلى السرائرُ
ويروى: أن الحسن سمع رجلاً ينشد هذا البيت فقال: ما أغفله عما في السماء والطارق.
وهذا الأحوص أحد الشعراء الذين تجمّعوا بباب عمر بن عبدالعزيز حين وُلِّيَ، ومنعهم الدخول عليه، وأنشد لكل [شاعر] منهم شعراً جعله [سبب] رده، فكان هذا البيت سبب رد الأحوص وصدّه [من] الإذن له.
قال ابن عمر: يُبدي الله يوم القيامة كل شيء، فيكون زَيْناً في الوجوه وشَيْناً في الوجوه.
قوله تعالى: { فَمَا لَهُ } يعني: فما للإنسان { مِن قُوَّةٍ } يمتنع بها من عذاب الله { وَلاَ نَاصِرٍ } يدفع عنه ذلك.